وأمّا المدّعي المتزي بزيّ الفتيان فهو كالمتشبّه بالخدّام لغرض الجاه أو الطّمع في المال ، الجاعل « 1 » خدمته ذريعة إلى جذبه ووسيلة إلى جمعه ، يركب الأخطار لا شجاعة ، ويبذل الأموال لا سخاوة ، بل تطاولا على الأقران وتقدّما على الإخوان ، يتفاوت أحواله في الجبن والتّهور ويتباعد أفعاله في البخل والسّرف ؛ كما قيل :
يعطي ويمنع لا بخلا ولا كرما لا يتناسب أخلاقه ولا يتغارب سيره وعادته ولا يتساوى ظاهره وباطنه ولا يتماثل سرّه وعلنه ، يقدم تارة على خطر عظيم وخطب جسيم على رؤوس ذوي الشّطارة والدّعارة تسخيرا لهم وايقاعا للهيبة في صدورهم ، ويحمل على جمع كثير في حرب شديد إظهار للجلادة وطلبا للمحمدة ، ولحجم أخرى عن أقلّ من ذلك حيث « 2 » لا يتوقّع شيئا من أغراضه وإن كان فيه حماية دينه وجيرته وأعراضه ، يسمح نفسه ببذل الكثير الدّثر من المال عند مراءة النّاس أو معارضة مدّع آخر وإن لم يكن في محلّ الاستحقاق ويشحّ بعشر عشير « 3 » عند عدم شئ من ذلك وإن كان حقّا بموقعه ووضعا في موضعه وفيه رضى الحقّ وارتضاء الخلق وتذمّما ولا يعفّ سرّا وباطنا استحياء من الحقّ « 4 » وتكرّما ، يظلم تارة حيث يقدر ولا يخاف من فضيحة الخلق وعقوبة الخالق وإن كان المظلوم ضعيفا مسكينا مرحوما من غير رحمة عليه وخشية من اللّه ويتظلّم أخرى لعجز نفسه أو إظهار تحمّله أو « 5 » تجرّده 4 وتعفّفه ولا ينز جز عن الظلم إلّا لعلّة ، فمثل هذا بعيد عن الفتوّة غير معدود من أصحاب المروّة ؛ فليجتنب المتفتّى أمثاله وليحترز عن صحبتهم ومجالستهم ! فإنّ مجالستهم « 6 » ! أضرّ من السّم النّاقع وأنكى من السّبع الضّاري ! .
هامش
( 1 ) . س : الجاهل .
( 2 ) . م : حين .
( 3 ) . س : عشيرة .
( 4 ) . س : - وارتضاء . . . الحقّ .
( 5 ) . م : و .
( 6 ) . س : طريقهم .