يأبون كلّ سجيّة من دونها ، من فاز به فاز بالقدح الأعلى ومن ظفر به ظفر بالحظّ الأسنى .
وعن حذيفة العدويّ ، أنّه قال : انطلقت يوم اليرموك بطلب ابن عمّ لي ومعي شيء من الماء وأنا أقول إن كان به رمق سقيته ومسحت وجهه ، فإذا أنا به فقلت : أسقيك ؟ فأشار الىّ : نعم ! فإذا رجل يقول : آه ! فقال ابن عمّى : انطلق به إليه ، فإذا هو هشام بن عاص ، فقلت : أسقيك ؟ فسمع هشام آخر يقول : آه ! فقال : انطلق به إليه ، فجئته ، فإذا هو مات ! ثمّ رجعت إلى هشام فإذا هو قد مات ! ، ثمّ رجعت إلى ابن عمّى فإذا هو قد مات « 1 » ! .
وحكاياتهم في الايثار أكثر من أن تحصى ، فالأولى بالايجاز أن تدرج وتطوى .
الباب الثّالث في التّواضع
وهو أوّل خصلة من خصال الشّجاعة . والشّجاعة : صرف الغضب إلى مقتضي الرّأى الصّحيح والعقل الصّريح عند الإقدام على المخاوف والوقوع في البلايا والشّدائد . قال اللّه - تعالى - :
فَالَّذِينَ هاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ
« 2 » وقال النبىّ - عليه السّلام - : إنّ اللّه يحبّ الشّجاعة ولو على قتل حيّة « 3 » . وهي كمال واعتدال للقوّة السّبعيّة الطّالبة للجاه والغلبة المائلة إلى القهر والسّلطنة الدّاعية إلى الكبر والعجب والحقد والتهوّر بالإفراط أو الجبن والخور والخوف والفشل بالتّفريط ، الّتى تذهب كمال الرّجل وبهائه وتزري بأبّهته وجلاله وتحقّر قدره وتستخفّ عقله .
والتّواضع : هو استعظام ذوي الفضائل من الأقران والإخوان ومن هو دونه في الجاه والمال « 4 » أو « 5 » يساويه أو فوقه في الشّرف والفضيلة ، وبذل الجاه لكلّ أحد على حسب قدره ، وذلك لقلّة اعتناء النّفس بحقّها وعدم الالتفات إلى خطرها ووقعها ؛ قال اللّه - تعالى - :
وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
« 6 » . وقال النبىّ - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم « 7 » - : ما تواضع
هامش
( 1 ) . راجع : ص 487 .
( 2 ) . كريمة 195 آل عمران .
( 3 ) . راجع : ص 350 .
( 4 ) . م : في المال والجاه .
( 5 ) . س :
و ( 6 ) . مقتبس من كريمة 215 الشّعراء .
( 7 ) . م : عليه السّلام .