الفصل الثّاني في بيان منبعها ومظهرها
لمّا تقرّر أنّ الفتوّة مبنى الولاية وأساسها ، فحيث ظهرت الولاية كملت الفتوّة ، لأنّ نهايتها بداية الولاية ، كما أنّ نهاية المروّة بداية الفتوّة ؛ إذ طريق الولاية أخلاق ومعاملات وأحوال ومكاشفات وعلوم ومشاهدات تنتهي إلى الفناء في اللّه . وطريق الفتوّة تجرّد الأخلاق والمعاملات وينتهى إلى خلاص الفطرة عن قيد الجبلّة ، ولمّا خلصت الفطرة حصلت البغية . إذ الفضائل لازمة لها ذاتيّة والرّذائل خارجة عنها عارضيّة . وينبئ عنها قوله - تعالى - :
لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ
« 1 » . فإنّ الاكتساب اتّخاذ بالقصد والنّية ، والكسب حصول كيف اتّفق ؛ فالخيرات نافعة لها كيف ما حصلت ، لأنّها مقتضياتها ولوازمها عند التجرّد والشّرور لا تضرّها إلّا توجّهت إليها بالقصد واتّخذتها لنفسها وإلّا . . . « 2 » عنها وذهبت لأنّها عوارض غريبة عنها وعن عاملها صاعدة إليها من ظلمات النّفس ومعادن الرّجس .
وأوّل نقطة الولاية ومفتتحها - الّذي انتشر منه الوحدة وظهر عليه الفتوّة والولاية - هي النّفس المقدّسة الإبراهيميّة ، إذ كان إبراهيم خليل اللّه - عليه السّلام - أوّل من تجرّد عن الدّنيا ولذّاتها وتخلّى عن زينتها وشهواتها واعتزل عن أبيه وقومه وتحمّل المشاقّ والمتاعب في محبّة ربّه وهاجر إلى اللّه عن الأهل والأعزّة والأوطان والمألوفات الملذّة وصبر على الغربة والمجاهدة « 3 » وتشجّع بكسر الأصنام ومخالفة الأقوام حتّى شهد له أعداؤه بالفتوّة ، كما حكى اللّه - تعالى - عنهم بقوله :
قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ
« 4 » .
والفضل ما شهدت به الأعداء ! فهو منبع القوّة ومظهرها باطنا وظاهرا ومؤسّس قواعدها ومشيّدها أوّلا وآخرا ، ولهذا سنّ الضيافة والقرى ، ونذر أن لا يأكل وحده إلى أن يتوفّى ، وبلغ من فتوّته إلى المباشرة لذبح الولد والخروج عن جميع المال عند طيب الخلد بسماع ذكر الخليل وتحقيره في جنب تعظيم
هامش
( 1 ) . مقتبس من كريمة 286 البقرة .
( 2 ) . هاهنا كلمة لا تقرا . وفي الطبعة الأولى من الكتاب جعل المصحح في هذا الموضع : محيت .
( 3 ) . م : المجاهدة والغربة .
( 4 ) . مقتبس من كريمة 61 الأنبياء .