الفصل الأوّل في بيان حقيقة الفتوّة
اعلم ! أنّ الفتوّة عبارة عن ظهور الفطرة بصفائها ولطافتها وغلبتها على مقتضى النّشأة بقوّتها وسلاطتها ، وهي صفة تابعة لاستعداد « 1 » الكمال ، لازمة للفطرة السّليمة الابراهيميّة الّتي قال اللّه - تعالى - فيها :
إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ
« 2 » .
فإنّ الفطرة الإنسانيّة متى سلمت من آفات دواعي النّفس وصفاتها ، وصفت وأشرقت وتجرّدت عن الغواشي الطّبيعيّة والعلائق البدنيّة واستعدّت لكمالها واشتاقت إلى غايتها وقهرت النّفس وقمعت غلباتها وكسرت سورتها ومنعت وثباتها وانخلعت عن الأمور الماديّة والأوصاف الدّنيّة وارتفعت بهمّتها « 3 » العالية إلى المراتب السنيّة والمقامات الشّريفة وارتقت عن حضيض الملابس الشّهويّة والغضبيّة إلى ذروة الفضيلة الإنسيّة وأنفت من كلّ خلق دنىّ وقصدت كلّ خلق سنىّ وأبت الدّنايا والرّذائل وشغفت بالمكارم والفضائل ، حصلت المروّة ؛ وإذا أحرزت الفضائل المنسوبة إلى العفّة « 4 » والشّجاعة وأحكمت أساس الهداية والعدالة ، حصلت الفتوّة . فالمروّة سلامة الفطرة وصفائها ، والفتوّة حليتها وبهاؤها . وهي مبنى الولاية وابتداؤها ، كما أنّ المروّة مبنى الفتوّة وأساسها ، فمن لا مروّة له لا فتوّة له ومن لا فتوّة له لا ولاية له « 5 » ، إذ المروّة تنبئ عن اتّصال العبد بالحقّ بوصلة صحّة الفطرة ؛ ولهذا قال النّبيّ - عليه السّلام - : أقيلوا
هامش
( 1 ) . م : الاستعداد
( 2 ) . كريمهء 89 الشّعراء .
( 3 ) . م : بهممها
( 4 ) . م : الحكمة
( 5 ) . س : - كما أنّ . . . لا ولاية له .