( وفرقة أخرى ) من عوام الخلق وأرباب الأموال والفقراء ، اغتروا بحضور مجالس الذكر واعتقدوا أن ذلك يغنيهم ويكفيهم ، فاتخذوا ذلك عادة ، ويظنون أن لهم أجرا على مجرد سماع الوعظ دون العمل ودون الاتعاظ ؛ فهم مغرورون ، لأن فضل مجالس الذكر إنما يحصل لكونها مرغبة في الخير ، فإن لم تهيج الرغبة فلا خير فيها . والرغبة محمودة لأنها تبعث على العمل ، فإن لم تبعث على العمل فلا خير فيها . وربما يغتر بما يسمعه من الوعظ ، وربما تداخله رقة كرقة النساء فيبكي ، وربما يسمع كلاما مخوفا فلا يزال يصفر بين يديه ويقول : يا سلام سلم ، ونعوذ بالله ، وحسبي اللّه ، ولا حول ولا قوة إلا بالله ، ويظن أنه قد أتى بالخير كله وهو مغرور . وإنما مثله كمثل المريض الذي يحضر مجالس الأطباء ويسمع ما يصفونه من الأدوية ولا يفعلها ولا يشتغل بها ويظن أنه يجد الراحة بذلك ؛ وكذلك الجائع الذي يحضر عند من يصف الأطعمة اللذيذة ، فكل وعظ لا يغير منك صفة تغييرا تتغير به أفعالك ، حتى تقبل إلى اللّه عز وجل وتعرض عن الدنيا وتقبل إقبالا قويّا وإن لم تفعل بذلك الوعظ كان زيادة حجة عليك ، فإذا رأيته وسيلة لك كنت مغرورا .
الصنف الرابع من المغرورين المتصوفة
وما أغلب الغرور على هؤلاء ! وما المتصوفة من أهل هذا الزمان إلا من عصمه اللّه . اغتروا بالزي والمنطق والهيئة ، فشابهوا الصادقين من الصوفية في زيهم ، وهيئتهم ، وألفاظهم ، وآدابهم ، ومراسمهم ، واصطلاحاتهم ، وأحوالهم الظاهرة في السماع ، والرقص ، والطهارة ، والصلاة ، والجلوس على السجادة مع إطراق الرأس ، وإدخاله في الجيب كالمتفكر مع تنفيس الصعداء ، وفي خفض الصوت في الحديث ، وفي الصياح ، إلى غير ذلك . فلما تعلموا ذلك ظنوا أن ذلك ينجيهم ، فلم يتعبوا أنفسهم قط بالمجاهدة ، والرياضة ، والمراقبة للقلب ، وتطهير الباطن والظاهر من الآثام الجلية والخفية ؛ وكل ذلك من منازل التصوف . ثم إنهم يتكالبون على الحرام والشبهات وأموال السلاطين ، ويتنافسون في الرغيف والفلس والحبة ، ويتحاسدون على النقير والقطمير ، ويمزق بعضهم أعراض بعض مهما خالفه في شيء من غرضه .
فهؤلاء غرورهم ظاهر ، فمثلهم كمثل عجوز سمعت أن الشجعان والأبطال والمقاتلين ثبتت أسماؤهم في الديوان ، فتزيت بزيهم ، ووصلت إلى الملك ، فعرضت على ميزان العرض فوجدت عجوز سوء ، فقيل لها : أما تستحي في استهزائك بالملك ؟ اطرحوها حول الفيل ! فطرحت حول الفيل فركضها حتى قتلها .
( وفرقة أخرى ) زادت على هؤلاء في الغرور ، إذ صعب عليها الاقتداء في بذالة الثياب والرضا بالدون في المطعم والمنكح والمسكن ، وأرادت أن تتظاهر بالتصوف ، ولم تجد بدّا من التزيي بزيهم ، فتركت الخز والإبريسم وطلبت المرقعات النفيسة والفوط الرفيعة