تفقد القلب والجوارح من غير هذه الخصلة الواحدة .
ومنهم من استعمل الحلال في مطعمه وملبسه ومكسبه ويتعمق في ذلك ، ولم يدر أن اللّه لم يرض من العباد إلا بالكمال في الطاعات ، فمن اتبع البعض وأهمل البعض فهو مغرور .
( وفرقة أخرى ) ادعت حسن الخلق والتواضع والسماحة ، فقصدوا لخدمة الصوفية ، فجمعوا قوما وتكلفوا خدمتهم ، واتخذوا ذلك شبكة لحطام الدنيا وجمعا للمال ؛ وإنما غرضهم التكثير والتكبير ، وهم يظهرون الخدمة والتواضع ، ويطلبون أن غرضهم الارتفاق وغرضهم الاستتباع ، ويظهرون أن غرضهم الخدمة ، وهم يجمعون الحرام والشبهات لينفقوا عليهم فتكثر أتباعهم وينتشر بتلك الخدمة ذكرهم . ومنهم من يأخذ من أموال السلاطين وينفق عليهم ، ومنهم من يأخذ من أموال السلاطين والظلمة لينفق ذلك بطريق الحج على الصوفية ، ويزعم أن غرضه البر والإنفاق . والباعث للجميع إنما هو الرياء والسمعة ، وذلك إهمالهم لجميع أوامر اللّه ورضاهم بأخذ الحرام والإنفاق منه ؛ ومثال الذي ينفق المال الحرام في طريق الحج ، كمن يعمر مسجدا ويطينه بالعذرة وغيرها من النجاسات ويزعم أن قصده العمارة .
( وفرقة أخرى ) اشتغلت بالمجاهدة وتهذيب الأخلاق وتطهير النفس من عيوبها ، فصاروا يتعمقون فيها ، فاتخذوا البحث عن عيوب النفس ومعرفة خدعها علما وحرفة لهم ؛ فهم في جميع أحوالهم مشتغلون بالتحفظ من عيوب النفس باستنباط دقيق الكلام في آفاتها ، فيقولون :
هذا في النفس عيب ، والغفلة عن كونه عيبا عيب ، ويستعفون فيه بكلمات مسلسلة ، فضيعوا في ذلك أوقاتهم ، لأنهم وقعوا مع أنفسهم ولم يتعلقوا بخالقهم . ومثلهم من اشتغل بأوقات الحج وعوائقه ولم يسلك طريق الحج ، وذلك لا يغنيه عن الحج ؛ فهو مغرور .
( وفرقة أخرى ) جاوزت هذه المرتبة وابتدؤوا سلوك الطريق وانفتحت لهم أبواب المعرفة ، فلما شموا من مبادئ المعرفة رائحة ، تعجبوا منها وفرحوا بها وأعجبتهم غرائبها ، فتعلقت قلوبهم بالالتفات إليها والتفكر فيها ، وفي كيفية انفتاح بابها عليهم وانسداده على غيرهم .
وذلك غرور ، لأن عجائب طريق اللّه ليس لها نهاية ، فمن وقف مع كل أعجوبة وتقيد قصرت خطاه وحرم الوصول إلى المقصد ، ومثال ذلك كمن قدم على ملك فرأى على باب ميدانه روضة فيها أزهار وأنوار ، ولم يكن قد رآها قبل ذلك ولا رأى مثلها ، فوقف ينظر إليها حتى فاته الوقت الذي يكون فيه لقاء الملك ، فانصرف خائبا .
( وفرقة أخرى ) جاوزت هؤلاء ولم تلتفت إلى ما يفيض عليها من الأنوار في الطريق ، ولا إلى ما تيسر لهم من العطايا الجزيلة ، ولم يلتفتوا إليها ولا عرجوا عليها ، بل أخذوا جادين في السير ، فلما قاربوا الوصول ظنوا أنهم وصلوا ، فوقفوا ولم يتعدوا ذلك ، فغلطوا ؛ فإن للّه سبحانه وتعالى سبعين حجابا من نور وظلمة ، ولا يصل السالك إلى حجاب من تلك الحجب إلا ويظن أنه قد وصل ؛ وإليه الإشارة بقوله تعالى إخبارا عن إبراهيم عليه السلام :
فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ
رءا
كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ