تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة رسائل الإمام الغزالي — صفحة 444

مساهمون:

ص٤٤٤
( وفرقة أخرى ) حرصت على النوافل ولم يعظم اعتدادها بالفرائض ؛ فترى أحدهم يفرح بصلاة الضحى وصلاة الليل وأمثال هذه النوافل ، ولا يجد لصلاة الفرض لذة ولا خيرا من اللّه تعالى ، لشدة حرصه على المبادرة بها في أول الوقت ، وينسى قوله صلى اللّه عليه وسلم : " ما تقرّب المتقرّبون بأفضل من أداء ما افترضه اللّه عليهم " . وترك الترتيب بين الخيرات من جملة الشرور ، بل قد يتعين على الإنسان فرضان : أحدهما يفوت والآخر لا يفوت ، أو نفلان : أحدهما يضيق وقته والآخر يتسع وقته ، فإن لم يحفظ الترتيب كان مغرورا ونظائر ذلك أكثر من أن تحصى فإن المعصية ظاهرة ، وإنما الغامض تقديم بعض الطاعات على بعض كتقديم الفرائض كلها على النوافل ، وتقديم فروض الأعيان على فروض الكفايات التي لا قائم بها على ما قام بها غيره ، وتقديم الأهم من فروض الأعيان على ما دونه ، وتقديم ما يفوت مثل تقديم حق الوالدة على الوالد ، وتقديم نفقة الأبوين على الحج ، وتقديم الجمعة إذا حضر وقتها على العيد ، وتقديم الدين على فروض غيره . وما أعظم العبد أن ينفذ ذلك ويتنبه ، ولكن الغرور في الترتيب دقيق خفي لا يقدر عليه إلا العلماء الراسخون في العلم .

الصنف الثالث من المغرورين أرباب الأموال

وهم فرق كثيرة : ( فرقة منهم ) يحرصون على بناء المساجد والمدارس والرباطات والقناطر والصهاريج للماء وما يظهر للناس ، ويكتبون أسماءهم بالآجر عليه ليتخلد ذكرهم ويبقى بعد الموت أثرهم ، وهم يظنون أنهم استحقوا المغفرة بذلك ؛ وقد اغتروا فيه من وجهين : أحدهما : أنهم اكتسبوها من الظلم والشبهات والرشا والجاهات المحظورة ؛ فهؤلاء قد تعرضوا لسخط اللّه في كسبها ، فإذا عصوا اللّه في كسبها فالواجب عليهم التوبة ورد الأموال إلى أهلها إن كانوا أحياء ، وإلى ورثتهم إن لم يبق منهم أحد وانقرضوا . فإن لم يبق لهم ورثة فالواجب عليهم أن يصرفوها في أهم المصالح ، وربما يكون الأهم التفرقة على المساكين ؛ فأي فائدة في بنيان يستغني عنه ويموت ويتركه ؟ وإنما غلب على هؤلاء الرياء والشهرة ولذة الذكر . والوجه الثاني : أنهم يظنون بأنفسهم الإخلاص وقصد الخير في الإنفاق وعلو الأبنية ، ولو كلف واحد منهم أن ينفق دينارا على مسكين لم تسمح نفسه بذلك ، لأن حب المدح والثناء مستكن في باطنه . ( وفرقة أخرى ) ربما اكتسبوا المال الحلال ، واجتنبوا الحرام ، وأنفقوه على المساجد . وهم أيضا مغرورون من وجهين : أحدهما : الرياء وطلب السمعة والثناء ؛ فإنه ربما يكون في جواره أو بلده فقراء وصرف المال إليهم