( وفرقة أخرى ) أخذت في طريق الخشية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وينكر أحدهم على الناس ويأمرهم بالخير وينسى نفسه ، وإذا أمرهم بالخير عنف وطلب الرئاسة والعزة ، وإذا باشر منكرا وأنكره عليه أحد غضب وقال : أنا المحتسب فكيف تنكر علي ! وقد يجمع الناس في المسجد ، ومن تأخر عنه أغلظ عليه في القول . وربما عرض له الرياء والسمعة والرئاسة ، وعلامته أنه لو قام بالمسجد غيره تجرأ عليه ، ومنهم من يؤذن ويظن أنه يؤذن للّه ، ولو جاء غيره وأذن في وقت غيبته قامت عليه القيامة وقال : لم آخذ حقي وزوحمت . ومنهم من يتقيد إمام مسجد يظن أنه خير ، وغرضه أن يقال إنه إمام مسجد كذا وكذا ؛ وعلامته أنه لو قدم غيره وإن كان أورع منه وأعلم ثقل عليه ذلك .
( وفرقة أخرى ) جاوروا بمكة والمدينة واغتروا بهما ، ولم يراقبوا قلوبهم ولم يطهروا ظواهرهم وبواطنهم ، وربما كانت قلوبهم متعلقة ببلادهم ومنازلهم . وتراهم يتحدثون بذلك ويقولون جاورت بمكة كذا وكذا سنة . وهذا مغرور ، لأن الأقوم له أن يكون في بلده وقلبه متعلق بمكة . وإن جاور فليحفظ حق الجوار ؛ فإن جاور بمكة حفظ حق اللّه ، وإن جاور بالمدينة حفظ حق النبي صلى اللّه عليه وسلم ، ومن يقدر على ذلك . وهؤلاء مغرورون بالظواهر ، فظنوا أن الحيطان تنجيهم ، وهيهات ! وربما لم تسمح نفسه بلقمة يتصدق بها على فقير . وما أصعب المجاورة في حق الخلق ، فكيف مجاورة الخالق ! وما أحسن مجاورته بحفظ جوارحه وقلبه .
( وفرقة أخرى ) زهدت في المال ، وقنعت من الطعام واللباس بالدون ، ومن المسكن بالمساجد ، وظنوا أنهم أدركوا رتبة الزهاد ، وهم مع ذلك راغبون في الرئاسة والجاه . والرئاسة إنما تحصل بأحد أشياء : إما بالعلم ، أو بالوعظ ، أو بمجرد الزهد ؛ فقد تركوا أهون الأمرين وبادروا إلى أعظم المهلكات ؛ لأن الجاه أعظم من المال ، ولو ترك أحدهم الجاه وأخذ المال كان إلى السلام أقرب .
وهؤلاء مغرورون ، ظنوا أنهم من الزهاد في الدنيا وهم لم يعلموا معنى الدنيا ، وربما يقدم الأغنياء على الفقراء . ومنهم من يعجب بعلمه ، ومنهم من يؤثر الخلوة والعزلة وهو عن شروطها خال ، ومنهم من يعطى له المال فلا يأخذه خيفة أن يقال بطل زهده ، وهو راغب في المال والناس ، خائف من ذمهم . ومنهم من شدد على نفسه في أعمال الجوارح حتى يصلي في اليوم والليلة مثلا ألف ركعة ويختم القرآن ، وهو في جميع ذلك لا تخطر له مراعاة القلب وتفقده من الرياء والكبر والعجب وسائر المهلكات . وربما يظن أن العبادات الظاهرة ترجح بها كفة الحسنات ، وهيهات ! ذرة من ذي تقوى ، وخلق واحد من خلق الأكياس ، أفضل من أمثال الجبال عملا بالجوارح . ثم قد يغتر بقول من يقول له : إنك من أوتاد الأرض ، أو من أولياء اللّه وأحبابه ؛ فيفرح بذلك ويظهر له تزكية نفسه ، ولو شوتم يوما واحدا مرتين أو ثلاثا لكفر وجاهد من فعل ذلك به ، وربما قال لمن سبه : لا يغفر اللّه لك أبدا .
مجموعة رسائل الإمام الغزالي — صفحة 443
مساهمون: الغزالي
ص٤٤٣