والسجادات المصوغات ، وقيمتها أكثر من قيمة الخز والإبريسم . ولا يجتنبون معصية ظاهرة فكيف بالباطنة ! وإنما غرضهم رغد العيش وأكل أموال السلاطين ، وهم مع ذلك يظنون بأنفسهم الخير . وضرر هؤلاء على المسلمين أشد من ضرر اللصوص ، لأن هؤلاء يسرقون القلوب بالزي ، فيقتدي بهم غيرهم فيكونون سبب هلاكهم ، فإن اطلع على فضائحهم فيظنون أن أهل التصوف كذلك ، فيصرحون بذم الصوفية على الإطلاق .
( وفرقة أخرى ) ادعت علم المكاشفة ، ومشاهدة الحق ، ومجاوزة المقامات ، والوصل والملازمة في عين الشهود ، والوصول إلى القرب ؛ ولا يعرف ذلك والوصول إليه إلا باللفظ والاسم ، فتلقف من الألفاظ الطامة كلمات ، فهو يرددها وهو يظن أن ذلك من أعلى علم الأولين والآخرين . فهو ينظر إلى الفقهاء والمقرئين والمحدثين وأصناف العلماء بعين الازدراء فضلا عن العوام ، حتى إن الفلاح ليترك فلاحته والحائك حياكته ويلازمهم أياما معدودة ، فيتلقف تلك الكلمات الزائفة فتراه يرددها كأنه يتكلم عن الوحي ، ويخبر عن أسرار ، ويستحقر بذلك جميع العباد والعلماء ، فيقول في العباد : أجراء متعبون ؛ ويقول في العلماء : إنهم بالحديث محجوبون ، ويدعي لنفسه أنه الواصل إلى الحق وأنه من القربين ، وهو عند اللّه من الفجار المنافقين ، وعند أرباب القلوب من الحمقاء الجاهلين ؛ لم يحكم قط علما ، ولم يهذب خلقا ، ولم يرتب علما ، ولم يراقب قلبا سوى اتباع الهوى وتلقف الهذيان ، ولو اشتغل بما ينفعه كان أحسن له .
( وفرقة أخرى ) جاوزت هؤلاء ، فأحسنت الأعمال وطلبت الحلال ، واشتغلت بتفقد القلب ، وصار أحدهم يدعي المقامات من الزهد والتوكل والرضا والحب ، من غير وقوف على حقيقة هذه المقامات وشروطها وعلاماتها وآفاتها . فمنهم من يدعي الوجد ويحب اللّه ، ويزعم أنه وإله بالله ، ولعله قد يخيل بالله خيالات فاسدة هي بدعة أو كفر ، فيدعي حب اللّه قبل معرفته ، وذلك لا يتصور قط . ثم إنه لا يخلو قط ما يفارقه ما يكرهه اللّه ، وإيثار هوى نفسه على أوامر اللّه ، وعن ترك بعض الأمور حياء من الخلق ؛ ولو خلا بنفسه لما تركها حياء من اللّه ، وليس يدري أن كل ذلك يناقض الحب . وبعضهم يميل إلى القناعة والتوكل ، فيخوض البوادي من غير زاد ليصحح التوكل ، وليس يدري أن ذلك بدعة لم تنقل عن الصاحبة وسلف هذه الأمة ، وقد كانوا أعلم بالتوكل منه ، ما فهموا من التوكل المخاطرة بالروح وترك الزاد ، بل كانوا يأخذون الزاد وهم متوكلون على اللّه لا على الزاد ، وهذا ربما يترك الزاد وهو متوكل على سبب من الأسباب واثق به .
وما مقام من المقامات المنجية إلا وفيه غرور قد اغتر بها قوم ؛ وقد ذكرنا مداخل الآفات فيها في ربع المنجيات من كتاب الإحياء .
( وفرقة أخرى ) ضيقت على أنفسها أمر القوت ، حتى طلبت منه الحلال الخالص ، وأهملت
مجموعة رسائل الإمام الغزالي — صفحة 447
مساهمون: الغزالي
ص٤٤٧