وليعلم من فهم منهم ، أو من غيرهم ، أن « 1 » فيما ذكر اللّه لهم من المأكل ومثله ، آية عجيبة ظاهرة لمن يفهمها بعقله ، تدل على أنه لم ينزلها إلا علام الغيوب ، الذي لا يخفى عليه شيء من سرائر القلوب ، لا سيما في النصارى « 2 » من أهل الكتاب ، وما هم عليه من الحرص والكد والاكتساب ، فإنا لم نر أمة من أهل الكتاب أرغب في المأكل والمشرب ، واكتناز الفضة والذهب ، منهم خاصة دون غيرهم ، معلوم ذلك من غنيهم وفقيرهم ، ولذلك ما يقول اللّه سبحانه فيهم ، وفي بيان ما قلنا به من ذلك عليهم :
إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبارِ وَالرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ ( 34 )
[ التوبة : 34 ] . فرهبانهم إلا القليل وشمامستهم ، « 3 » تعولهم أبدا أقوياؤهم وضعفتهم . وليس من الرهبان ولا الشمامسة من تكلّف في مطعمه ولا مشربه ولا كسوته ولا مصلحته كلفة ، ومن كفاهم ذلك من عوامهم وضعفتهم فقد يرى ذلك قربة له عند من يعبدون وزلفة .
فأول ما يقال - إن شاء اللّه - لمن أراد الانصاف لنفسه منهم ، وعند من تجري المجادلة فيما ادعوا من الكتب بين أحد من أهل التوحيد وبينهم « 4 » ، يا هؤلاء : أنصفونا فيما ادعيتم من شهادات الكتب من أنفسكم ، فلا تدعوا فيها ولا تأولوا فيها تأويلا ملتبسا يزيدكم لبسا على لبسكم ، فإن شئتم تأولتم الكتب وتأولنا ، على ما قد قلتم وقلنا ، ولنا من التأويل . مثل مالكم ، وقولنا فيه يخالف أقوالكم . فإن كان ذلك أحب إليكم ، فافهموا فيه ما يدخل عليكم ، فلسنا ندخل عليكم فيه ، إلا ما نجمع نحن وأنتم عليه .
أجمعنا نحن وأنتم جميعا كلنا ، قولكم مما قلنا به من ذلك قولنا ، على أن أصدق الشهادات كلها وأعدلها ، خمس شهادات يلزمنا وإياكم أن نقبلها :
هامش
( 1 ) في ( ج ) و ( د ) : ومن غيرهم . وسقط من ( أ ) و ( د ) و ( د ) : أن .
( 2 ) في ( أ ) و ( ب ) و ( د ) : لا سيما خاصة من النصارى .
( 3 ) الشمامة : جمع شماس ، من رؤوس النصارى الذي يحلق وسط رأسه ويلزم البيعة .
( 4 ) في ( أ ) و ( د ) : بينه .