تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموع رسائل الإمام الهادي إلى الحق القويم يحيى بن الحسين بن قاسم بن إبراهيم — صفحة 265

مساهمون:

ص٢٦٥
أن جميع الأشياء من اللّه ، وله رضا وقضاء وأمر ومشيئة . وإن كان صلى اللّه عليه وآله وسلم نهى عن شيء مما ذكرنا من العملين وميز بين المنزلتين ، وسمى أحدهما طاعة ووعد من عمل بها الجنة ؛ وسمى المنزلة الأخرى معصية ، وتوعد من عمل بها النار ، فقد كذب من زعم أن كل شيء مراد اللّه وقضاء . فإن أحبوا فيكذبوا أنفسهم للزوم الحجة لهم ، وإن أحبوا أن يقولوا إن محمدا صلى اللّه عليه وآله وسلم عاص متعد عليه ، ناه عن قضائه وأمره ، وأن اللّه تبارك وتعالى لم يأمرهم بتحريم شيء مما حرم ، وأن جميع ما حرم أحل منه بالتكليف منه لا من اللّه ، نقض من قال بهذا كتاب اللّه عز وجل ، إذ يقول له صلى اللّه عليه وآله وسلم :
قُلْ إِنَّما أَتَّبِعُ ما يُوحى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي
[ الأعراف : 203 ] ، وهذه الصفة والقول لا يجوزان في محمد صلى اللّه عليه وآله وسلم ، ولا له . ومن الحجة عليهم أن يقال لهم : أخبرونا عن محمد صلى اللّه عليه وآله وسلم أكان عندكم رؤوفا رحيما حريصا على العباد شفيقا مريدا لهم أن يطيعوا اللّه ولا يعصوه ؟ وعن قول اللّه سبحانه فيه :
لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ
[ التوبة : 128 ] ، أكان كذلك أم كان عندكم على غير هذه الصفة من قلة الرأفة والرحمة والحرص ؟ فلن يجدوا بدا من أن يقولوا : كان صلى اللّه عليه وآله وسلم رؤوفا رحيما ، كما وصفه اللّه ، فحينئذ يقال لهم : فأين الرأفة والرحمة ممن يأمر العباد بترك طاعة اللّه ، والخروج عن مشيئته ومراده ، والرد لقضائه وأمره ، وكيف يكون عندكم حال من نهى عما ذكرنا وحال من أطاعه في ترك ما ذكرنا مما هو للّه مشيئة ومراد ؟ وأين الرأفة والرحمة ممن يأمر العباد بما لهم فيه الهلاك والغضب عند اللّه ؟ هذا قول ينقض القرآن ويفسده ، وهو حجة اللّه العظمى على عباده ، وفيه تحريم ما حرم وتحليل ما أحل ، فإذا كان المؤدي له في قولكم وعلى مذهبكم ينهى عن طاعة اللّه ومشيئته فكيف السبيل عندكم أن يوثق به فيما أدى إلينا من تحليل وتحريم إذ كان ينهى عن قضائه ومراده ، فقد احتمل إن كان يفعل ذلك بلسانه أن يفعله ومثله في الكتاب الذي أداه فيحلل الحرام ويحرم الحلال . تعالى اللّه عما أسند إليه أهل هذه المقالة الحمقاء من التلعب بعباده والعبث بخلقه ، وجل شأن محمد عليه السلام أن يكون فيه شيء من هذه الصفة ، أو يكون على شيء مما يكره
مجموع رسائل الإمام الهادي إلى الحق القويم يحيى بن الحسين بن قاسم بن إبراهيم — صفحة 265 | الإمام يحيى بن الحسين