تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموع رسائل الإمام الهادي إلى الحق القويم يحيى بن الحسين بن قاسم بن إبراهيم — صفحة 262

مساهمون:

ص٢٦٢
العمل بشيء من المعصية ؛ ممنوعا من ذلك الفريقان ، وكان مستعملا فيما حتم في رقبته وقضى عليه لا يطيق الخروج منه إلى غيره ، فإلى من أرسل اللّه الأنبياء والمرسلين ، وإلى من دعوا ؟ ومن خاطبوا ؟ وعلى من احتجوا ؟ أم من تبعهم وأطاعهم ؟ أم من كانت حاجة العباد إليهم ؟ أم ما كان المعنى عند اللّه سبحانه في إرسالهم ؟ أتراه أرسلهم عبثا أم سخريا ؟ أم بيانا وتوكيدا للحجة على العباد وتوقيفا ؟ فإن كان سبحانه أرسلهم إلى قوم وقد منعهم من طاعته ؛ يدعونهم إلى الدخول فيها وقد حال بينهم وبين ذلك ومنعهم ؛ طالبا للحجة عليهم بلا حجة لازمة بينة ، فهذا أكبر الظلم وأحول المحال . ليس أحكم الحاكمين يعبث ولا يغلو « 183 » ولا يسخر ولا يستهزئ ، ولا خلق الجنة والنار باطلا ، ولا أرسل المرسلين عبثا . لو كان اللّه سبحانه على ما يقولون ؛ ما أرسل إلى خلقه رسولا ، ولا دعاهم إلى طاعة ، ولا دلهم على ما يرضيه مما يسخطه ، ولا احتج عليهم بالآيات المعجزات ، ولا بالبراهين الواضحات التي عجز عنها جميع الكهنة والسحرة ، والفراعنة وشياطين الإنس والجن فلم يقدروا أن يأتوا منها بشيء ، مثل التسع آيات التي كانت مع موسى عليه السلام ، والمعجزات التي جاء بها غيره من الأنبياء ، كل هذا احتجاج من اللّه سبحانه على خلقه ، ليطيعوا أنبياءه ورسله ، ويجيبوهم إلى خلع الأنداد والأصنام والأوثان والآلهة المعبودة من دونه . ولكن اللّه سبحانه مكنهم وفوضهم ، وأرسل إليهم الرسل يدعونهم إلى ما هم قادرون عليه ، ويندبونهم إليه ليخرجوهم بذلك من ظلمة الشرك إلى نور الإسلام . ألا ترى إلى قوله عز وجل :
اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ
[ البقرة : 257 ] ، فلولا أن اللّه تبارك وتعالى قد علم أن عباده يقدرون على طاعة رسله ما أرسلهم إليهم ، ولا أمر بطاعتهم ولا حثهم على أداء ما جاءوا به من فرائضه ، وما دعوا به من اتباع مرضاته ، وذلك لما مكنهم اللّه منه ، وجعل فيهم من القوة
هامش
( 183 ) هكذا في الأصل .