تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المبدأ والمعاد — صفحة 26

مساهمون:

ص٢٦
وبالشرط ، فلم يزل متعلّق الوجود بالغير . وكلّ ما احتيج فيه إلى غير وشرط فهو يحتاج إلى سبب . فقد بان أنّ ثبات الحادث ووجوده بعد الحدوث يفيد الحدوث بسبب يمدّ وجوده ، وأنّ وجوده بنفسه غير واجب . وليس لأحد من المنطقيّين أن يعترض علينا فيقول : إنّ الامكان الحقيقىّ هو الكائن في حال العدم للشئ ، وإنّ كلّ ما وجد فوجوده ضرورىّ ؛ فان قيل له : « ممكن » فباشتراك الاسم ، فانّه يقال له : قد بينّا في كتبنا المنطقيّة أنّ اشتراط العدم للممكن الحقيقىّ اشتراط غير صحيح في أن يجعل جزء حدّ للممكن ، بل هو أمر يتفق ويلزم الممكن في أحوال ، وبيّنا أنّ الموجود ليس ضروريّا ، لأنّه موجود ، بل بأن يشترط شرط ، وهو إمّا وضع الموضوع ، أو المحمول ، أو العلّة والسبب ، لا نفس الوجود ، فينبغي أن تتأمّل ما قلناه في الكتب المنطقيّة ، فتعلم أنّ هذا الاشتراط غير لازم ، فان نظرنا هاهنا هو في الواجب بذاته والممكن بذاته ، فإن كان الحصول يلحقه بالضرورىّ الوجود ، فانّ العدم أيضا يلحقه بالضرورىّ العدم ، ولا يحفظ عليه الامكان ، فانّه كما أنّه متى كان موجودا كان واجبا أن يكون موجودا ، ما دام موجودا ، كذلك متى كان معدوما كان واجبا أن يكون معدوما ، ما دام معدوما ؛ لانّ نظرنا هاهنا في الواجب بذاته والممكن بذاته ، ونظرنا في المنطق ليس كذلك . فبيّن من هذا أنّ المعلولات مفتقرة في إثبات وجودها إلى العلّة ، كيف وقد بيّنا أنّه لا تأثير للعلّة في العدم السابق ، فانّ علّته عدم العلّة وأن يكون هذا الوجود بعد العدم ، فانّ هذا من المستحيل أن لا يكون إلّا هكذا ، فانّ الحادثات لا يمكن أن يكون لها وجود إلّا بعد عدم ، فالمتعلّق بالعلّة هو الموجود الممكن في ذاته ، لا لشئ من كونه بعد عدم أو غير ذلك . فيجب أن يدوم هذا التعلق ، فيجب أن تكون العلل التي لوجود الممكن في ذاته من حيث وجوده الموصوف مع المعلول .
المبدأ والمعاد — صفحة 26 | أبو علي سينا