وبعد هاتين المقدّمتين فانّا نبرهن بأنّه لا بدّ من شئ واجب الوجود ؛ وذلك لانّه إن كان كلّ موجود ممكنا فامّا أن يكون مع إمكانه حادثا أو غير حادث .
فإن كان غير حادث فامّا أن يتعلّق ثبات وجوده بعلّة أو يكون بذاته ، فإن كان بذاته فهو واجب ، لا ممكن ؛ وإن كان بعلّة ، فعلّته معه لا محالة ، والكلام فيه كالكلام في الأوّل ، فانّه إن لم يقف عند علّة واجبة الوجود حصلت علل ومعلولات ممكنه ؛ إمّا بغير نهاية وإمّا دائرة ، وقد أبطلنا هما جميعا ، فقد بطل إذا هذا القسم .
وإن كان حادثا ، وكلّ حادث فله علّة مع حدوثه ، فلا يخلو : إمّا أن يكون حادثا باطلا مع الحدوث لا يبقى زمانا ، وإمّا أن يبطل بعد الحدوث بلا فصل زمان ، وإمّا أن يكون بعد الحدوث باقيا .
والقسم الاوّل محال ظاهر الإحالة ، والقسم الثاني أيضا محال . وذلك لأنّ الآنات لا تتالى ، وحدوث أعيان واحدة بعد أخرى متتالية متباينة في العدد لا على سبيل الاتّصال ، كما في الحركة ، يوجب تتالي الآنات ، وقد بطل ذلك في العلم الطبيعىّ . ومع ذلك فليس يمكن أن يقال : إنّ كلّ موجود هو كذلك ؛ فانّ في الموجودات موجودات باقية بأعيانها ، فلنفرض الكلام فيها فنقول : إنّ كلّ حادث فله علّة في حدوثه وعلّة في ثباته ، ثمّ يمكن أن تكونا ذاتا واحدة ، مثل القالب في تشكيل الماء ، ويمكن أن تكونا شيئين ، مثل الصورة الصنميّة ، فانّ محدثها الصانع ، ومثبتها يبوسة جوهر العنصر المتخذة منه
[ فصل 19 ] في بيان أنّ كلّ حادث فثباته بعلّة لتكون مقدّمة معينة في الغرض المذكور قبله
ولا يجوز أن يكون الحادث ثابت الوجود بعد حدوثه بذاته ، حتّى يكون إذا حدث فهو واجب أن يوجد ويثبت لا بعلّة في الوجود والثبات ، فإنّا نعلم أنّ ثباته ووجوده ليس واجبا بنفسه ، فمحال أن يصير واجبا بالحدوث الذي ليس واجبا بنفسه ولا ثابتا بنفسه . وأمّا بعلّة الحدوث فانّما كان يجوز لو كانت العلّة باقية معه .