من الناس . فانّ البدن الحادث يحدث له معه نفس ، فان صار له نفس أخرى صار ذلك الانسان ذا نفسين ، لكن كلّ انسان انّما هو ذو نفس واحدة ، ولا يشعر إلّا بنفس واحدة ، وإن كانت له نفس أخرى لا يشعر بها ولا يحدث له منها فائدة فليست تلك نفسا له ، لأنّ كون النفس في البدن ليس أنّها تودع زاوية من البدن ، أو يكون عرضا في جزء من البدن ، بل على أنّها مدبّرة للبدن مستعملة له . فقد بان ووضح أن الأنفس الانسانيّة حادثة وباقية بعد المادّة بلا كرور في الأبدان ولا تناسخ .
[ فصل 14 ] في الدلالة على السعادة الآخريّة الحقيقيّة وأنّها كيف تتم بالعقل النظرىّ والعملىّ معا ، وأنّ الأخلاق الرديّة كيف تضادّها ، ولم أمرنا بالعدالة ، والإشارة إلى الشقاوة التي تقابلها
والذي بقي علينا أن نوضحه أحوال الأنفس بعد المفارقة ، ويجب أن نقدّم لذلك مقدّمات فنقول : إنّ لكلّ قوّة فعلا هو كمالها ، وحصول كمالها سعادتها وكمال الشهوة وسعادتها هو اللذّة ، وكمال الغضب وسعادته هو الغلبة ، والوهم الرّجاء والتمنّى ، والخيال تخيّل المستحسنات . وكذلك كمال الأنفس الانسانيّة أن يكون عقلا مجرّدا عن المادّة وعن لواحق المادّة ، فانّ النفس الانسانيّة ليس فعلها الذي يختصّ بها ادراك المعقولات فقط ، بل لها بمشاركة البدن أفعال أخرى لها بحسها سعادات ، وذلك إذا كانت هي على ما ينبغي ، وذلك أن تكون تلك الأفعال سائقة إلى العدالة .
ومعنى العدالة أن تتوسّط النفس بين الأخلاق المتضادّة فيما تشتهى ولا تشتهى ، وفيما تغضب ولا تغضب ، وفيما تدبّر به الحياة ولا تدبّر والخلق هيئة تحدث للنفس الناطقة من جهة انقيادها للبدن وغير انقيادها له ، فانّ العلاقة التي بين النفس والبدن توجب بينهما فعلا وانفعالا ، والبدن بالقوّة البدنيّة يقتضى أمورا ، والنفس بالقوّة العقليّة تقضى أمورا مضادّة