تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المبدأ والمعاد — صفحة 112

مساهمون:

ص١١٢
المحض والخير المحض والذي عنه يفيض كلّ خيريّة وكلّ نظام وكلّ لذّة ، وكذلك ما يعدّ من الجواهر الروحانيّة الملكيّة التي هي معشوقات بذواتها . وأمّا أكثر ، فلانّ مدرك العقل هو الكلّ ومدرك الحسّ بعض من الكلّ ، والحس بعض الأشياء المحسوسة ينافيه وبعضها يلائمه ، والعقل وكلّ مدرك معقول يلائمه ويكمل ذاته . وامّا ألزم للذات ، فلأن الصور المعقولة التي يعقلها العقل تصير ذاته ، فيرى ذلك الجمال لذاته ، والمدرك أيضا ذاته فالمدرك والمدرك راجع كلّ واحد منهما على الآخر ، فوصول سبب الالذاد إلى المستلذّ أشدّ وأوغل في ذاته . وهذه اللذة شبيهة باللذّة التي للمبدإ الأوّل بذاته وبادراك ذاته ، وللروحانييّن . ومعلوم أنّ اللذّة التي لها والسعادة فوق لذّة الحمار بالجماع والقضم . ونحن لا نشتهي هذه اللذّة بالطبع ، بل بالعقل ، ولا نحنّ إليها ولا نتصوّرها . وإن كان البرهان والعقل يدعوان إليها . ومثلنا في ذلك مثل العنّين ، فانّه لا يحنّ إلى لذّة الجماع ولا يشتهيه ، لأنّه لم يجرّبه ولم يعرفه ، وإن كان الاستقراء والتواتر يعرّفه وجود ذلك ويدلّه على أنّ هاهنا للجماع لذّة . فكذلك حالنا في اللذّة التي نعرف وجودها ولا نتصوّرها . ولو كنّا نتصوّر كيفيّة ملائمة المعقولات للنفس أو نشعر بها ، لكنّا لا ندركها إلّا ويحصل لنا هذه اللذّة والسعادة ، ولكنّا لا ندركها ولا ندرك الملائمة التي لها من جهة الشعور بها بسبب المادّة . فإذا فارقنا البدن وكنّا قد حصل لنا العقل بالفعل وكنّا بحيث يمكننا أن نقبل على العقل الفعّال بالذات كمال القبول ، طالعنا دفعة المعشوقات الحقيقيّة واتّصلنا بها ، ولم يكن لنا نظر البتّة إلى ما تحتنا من العالم الفاسد ، ولا ذكرنا شيئا من أحوالها ، وحصلنا في السعادة الحقيقيّة التي لا يمكن أن توصف . ونحن في الدنيا وفي البدن قد نلتذّ بعض اللذّة بادراك الحقّ ، إلّا أنّها