تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المبدأ والمعاد — صفحة 111

مساهمون:

ص١١١
لكنّ اللذّة هي الاحساس بذلك الرجوع من جهة ما ذلك الرجوع ملائم . وبالجملة فانّ اللذة الحسيّة هي الاحساس بالملائم ، وكذلك كلّ لذّة وملائم كلّ شئ هو الخير الذي يخصّه ، والخير الذي يخصّ الشئ هو كماله الذي هو فعله ، لا قوّته . فملائم النفس الناطقة تعقّل الخير المحض والموجودات الكائنة عنه على النظام الذي يجعلها في واحدة واحدة مستفادة من الواحد الحق وتعقّل ذاته . فادراك النفس الناطقة لهذا الكمال هو لذّتها . وقد يجوز أن يكون الكمال الذي للشئ بالطبع قد يصل إليه ويحصل له ويدركه ، فلا يلتذّ به ، أو يشتهى ويلتذّ ما ليس بالحقيقة لذيذا لسبب خارج ، لأنّ هذا أمر غريب غير ذاتيّ له ، فسببه عارض غريب ، لا محالة . وهذا مثل ما أنّ الحاسّة الذوقيّة إذا عرض لها آفة لم تستطب الحلو ، ولم تلتذّ به ، وربّما اشتهت من الطعوم ما ليس لذيذا بالحقيقة . وكذلك الشمّ للروائح . والسّبب في ذلك أن لا تشعر بالملائمة . وكذلك ليس بعجيب أن لا تستلذّ النفس الناطقة بما يحصل لها من كمالها ، وتستلذّ غير ذلك ، إمّا لمرض نفسانىّ ، وإمّا للبدن الذي يقارنها . وكما أنّ الآفة إذا زالت عن الحاسّة عادت إلى مالها بالطبع ، فكذلك مقارنة النفس للبدن إذا بطلت ورجعت النفس إلى جوهرها وجب أن يكون لها من اللذة والسعادة ما لا يمكن أن يوصف أو يقاس به اللذّة الحسيّة ، وذلك لأنّ أسباب هذه اللذّة أقوى وأكثر والزم للذات . فامّا قوّتها ، فلأنّ الادراك عقلي محصّل لحقيقة الشئ الملائم والخير الخاصّ بالمدرك . وأمّا الشهوانىّ فادراكه ظاهرىّ غير متوغّل إلى حقيقة الشئ الملائم ، بل إنّما يتصل إلى ظاهره وبسيطه ، وكذلك ما يجرى مجراها . ولأنّ المدرك والمنال ليس مأكولا أو رائحة أو ما أشبهها بل الشئ الذي هو البهاء
المبدأ والمعاد — صفحة 111 | أبو علي سينا