باستعمالها في المعقولات الصعبة لانفعال الآلة ، ولكانت إذا أدبرت عن معقول قوىّ لم يدرك الضعيف ، لأنّ الآلة تكون انفعلت . مثل أنّ الحسّ يضعفه استعمال المحسوسات القويّة ويبقى بعدها فيه أثر يمنعها من الشعور بالمحسوسات العقليّة الضعيفة ، وهذا في الألوان والطعوم والأراييح والأصوات والملامس واحد .
ولو كانت هذه القوّة العقليّة تعقل بجسم لما كانت تعقل الاضداد بعقل واحد .
فهذه اقناعات يمكن أن تردّ إلى البرهان . فامّا الحقيقي فهو ما سلف ذكره .
وهاهنا براهين أخرى حقيقيّة لا نطوّل الكتاب بتعديدها .
فقد بان واتضح أنّ النفس الانسانيّة مستغنية في القوام عن البدن ، وفساد البدن ليس سببا لفسادها . وذاته ليس سببا لفساده ، وضدّه ليس سببا لفساده ، لأنّ الجوهر لا ضدّ له ؛ وعلّته الموجدة وهو العقل الفعّال ليس سببا لفساده ، بل لوجوده وكماله . فلا سبب له إذن في فساده ، فهو اذن باق دائما .
[ فصل 10 ] في حلّ شبه اعتمدها بعض من يرى أنّ النفس الناطقة كمال غير مفارق
ويجب أن لا نشتغل بما يقال : إنّ النفس لو كان كمالا مفارقا لكان كالربّان للسفينة وكان يجوز أن يدخل ويخرج مثل ما يدخل ويخرج الربّان . وذلك أنّه ليس إذا شبّه شئ بشيء من جهة فيجب أن يشبّه من كلّ جهة ، ولا النفس توصف بالدخول والخروج ، بل هي بذاتها في الجوهر مباين لكلّ مكان ومكانىّ . ولكن يقال : إنّه في هذا البدن ، لأنّ تدبيره وتحريكه ومبادى إدراكه والقوى الفائضة منه مخصوصة بالبدن الذي إنّما وجدت هذه النفس مع وجوده وأنّ هذه العلاقة بينهما ثابتة ما ثبت الجسد . فإذا فسد البدن بقي ذلك الجوهر مفارقا بحاله .
ولا بما يقال : إنّه لو كانت مفارقة للبدن لما كان يتحد منها حيوان أو انسان واحد كما يتحد أشياء من الصورة والمادّة ، فنقول : إنّه بالحقيقة لا يتحد من المادّة