إن كان غير مناسب لماهيتّه لم يكن حصوله إحساسه به ، فيجب لا محالة أن تكون صورته متجرّدة عن مادته . ولكن الحسّ لا يجرّد هذه تجريدا تامّا ، لكن يأخذها مع علائق المادّة وبإضافة إلى المادّة ، حتى إذا غابت المادّة بطلت تلك الصورة .
وأمّا الخيال فيأخذ الصورة تجريدا أكثر ، وذلك لأنّ تلك الصورة تكون فيه ولا مادّتها ، وتكون فيه وإن غابت المادّة أيضا ، ولكن لا تكون مجردة عن العوارض اللاحقة بها من المادّة . فانّ الخيال لا يتخيل إلّا ما أحسّ ولا يتخيّل انسانا [ من جهة ما هو انسان بحيث يشاركه فيه كلّ انسان بل ] من جهة ما هو انسان ما وبقدر ما من الكم والكيف والأين والوضع .
ثم الوهم يجرّد الصورة عن المادّة أكثر ، لأنّه يأخذ معاني غير محسوسة ، بل هي معقولة ، لكن لا تأخذها كليّة معقولة ، بل مربوطة بمعنى محسوس . مثلا انّ الوهم لا يتوهّم الضارّ والنافع بما هو ضارّ ونافع كلّىّ ، بل بما هو هذا الشخص .
وأمّا العقل فانّه يجرّد الصورة تجريدا تامّا ، فيجرّدها عن المادّة ويجرّدها عن إضافة المادّة ويأخذها حدّا محضا . وأمّا ما كان بذاته عقلا فلا يحتاج في تعقّله إلى هذه المعاني .
ومن شأن هذه القوّة العقليّة أن تصير عالما ، لأنّ العوالم هي ما هي بصورها ، وهي تأخذ صورة كلّ محسوس ومعقول فترتّب فيها من المبدأ الأوّل إلى العقول التي هي الملائكة المقرّبة إلى الأنفس التي هي الملائكة بعدها إلى السماوات والعناصر وهيئة الكل وطبيعته ، فيكون عالما عقليّا ، مشرقا بنور العقل الفعّال ، باقي الذات .
فانّا قد أوضحنا أنّ المعقولات لا تحلّ جسما ولا قوّة في جسم ، فاذن هذه القوّة غير جسم ولا منطبع في جسم . فان كانت في جسم ، فبمعنى آخر ، على ما نذكره .
المبدأ والمعاد — صفحة 103
مساهمون: أبو علي سينا
ص١٠٣