قد تتخيّل معا . مثل سواد وصلابة وشكل . والمعاني المتفقة قد تتخيّل متفرّقة . مثل يدين ورجلين ، فبقى أن يكون السبب في ذلك افتراقها في المادّة فوجب أن يكون قابلها معنى في المادّة . وإن شئت أن تستقصى هذا ، فتأمّل تلخيصنا لكتاب النفس وكتاب الحسّ والمحسوس .
ولكنّ العقل إذا رام تصوّر هذه المعقولات جرّدها عن المادّة وعلائقها معا ، فرفع الكثرة وأخذ الكليّة المشتركة ، لأنّ الكثرة تابعة للمادّة ، والمعنى لا كثرة فيه ، ورفع ما يلحق المعنى من وضع وشكل وكيفيّة وكميّة وأين ، فانّ جميع ذلك من علائق المادّة ولو كانت من علائق الحدّ والمعنى لما اختلف زيد وعمرو في وضع وأين وكم مع اتّفاقها في الصورة .
فقد بان أنّه ليس شئ مما هو محسوس بمعقول ، ولا ممّا هو معقول بمحسوس ، وأنّ العقل هو الذي يخلص المعقولات من المحسوسات ويتشبه بها وإنّما يعقل بالملكة المستفادة من الشئ الذي هو بذاته عقل ، وبجوهره معقول ، لا بأنّ يجرّده العقل عن هيئة غير معقولة فيصير معقولا . وبالحرىّ أن يكون مثل هذا الجوهر مبدأ لأن يعقل به غير ما ليس بذاته معقولا . وذلك لأنّ الذي هو بذاته فهو مبدأ في كلّ شئ لما ليس بذاته . فالحارّ بذاته هو الذي يسخّن والبارد بذاته هو الذي يبرّد . فالعقل بذاته هو الذي يخرج العقل بالقوّة إلى الفعل .
[ فصل 8 ] في مراتب تجريدات الصّور عن المادّة
ونقول : أنّ كلّ إدراك حسىّ وتخيّلىّ ووهمىّ وعقلىّ فهو بتجريد الصورة عن المادّة ولكن على مراتب :
فالحسّ يجرّد الصورة عن المادّة ، لأنّه ما لم يحدث في الحاسّ أثر من المحسوسات فالحاسّ عند كونه حاسّا بالفعل وكونه حاسّا بالقوّة على مرتبة واحدة . ويجب إذا حدث فيه أثر من المحسوس أن يكون مناسبا للمحسوس ، لأنّه