تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المبدأ والمعاد — صفحة 99

مساهمون:

ص٩٩
فأوّل ما يحدث من العقل الفعّال في العقل الهيولاني هو العقل بالملكة . وهو صورة المعقولات الأولى التي حصل بعضها لا بتجربة ولا قياس ولا استقراء البتة مثل أنّ الكل أعظم من الجزء ، وبعضها يحصل بالتجربة مثل أنّ كلّ أرض ثقيلة . وهذه الصورة تتبعها القوّة على كسب غيرها . فتكون كالضوء للأبصار . وإذا حصل العقل بالملكة استعدّت النفس للعقل بالفعل والعقل المستفاد ، وكلاهما واحد بالذات فمختلف بالاعتبار ، فانّه إذا حصل العقل بالملكة تمكّنت النفس من استعمال القياس والحدّ ، وتوصّلت إلى تحصيل العلوم المكتسبة والاستكمال بها بالطلب . وأمّا الاعتقاد والقبول بعد قيام القياس والحدّ فيكون بفيضان نور العقل الفعّال ، ويكون حينئذ حاله حال المعقولات الأولى . فانّه كما أنّ الكلّ أعظم من الجزء مقبول بنور العقل الفعّال بلا حجّة ، فكذلك ما صحّ بالقياس والحدّ مقبول بعد قيامهما بنور العقل الفعّال بلا حجّة . فانّ النتيجة بالحقيقة تال بيّن التلو لما كان قياسا كاملا . وكما أنّ هناك لو سأل سائل : لم كان هكذا لم يكن جواب ، كذلك هاهنا إذا سأل سائل : لم كان القياس الصحيح والحدّ الصحيح يوجب علما لم يكن جواب ، بل المبدأ هو العقل الفعّال في جميع ذلك . فإذا حصل للنفس المعقولات المكتسبة صار من جهة تحصيلها لها - وإن كانت غير قائمة فيه بالفعل - عقلا بالفعل ، لأنّ له أن يعقل متى شاء من غير استيناف طلب ؛ وإذا اعتبر وجودها فيه بالفعل قائمة سمّيت تلك المعقولات عقلا مستفادا من خارج ، اى من العقل الفعّال ، بطلب وحيلة . وربما قيل له عقل بالفعل بالقياس إلى ذاته ومستفادا بالقياس إلى فاعله . وغاية كمال العالم العائد أن يحدث منه انسان ، وسائر الحيوانات والنبات تحدث ، امّا لأجله وإمّا لئلا يضيع مادّة ، كما أنّ النجّار الحاذق يستعمل الخشب في غرضه ، فما فضل لا يضيّعه ، بل يتّخذه قسيّا ، وخلالا ، وغير ذلك . وغاية كمال