لا للبدن ، ولا لمزاج البدن ، وذلك التهيّؤ بحسب المعاني المعقولة الكليّة وقد بان في كتب المنطق وكتب الطبيعية ، بحسب نظرين واعتبارين مختلفين أنّ الصورة المعقولة ما هي ، والصورة المحسوسة ما هي ، والكليّة ما هي والجزئيّة ما هي ، وأنّ هذه القوّة كيف تحدث فيها المعقولات الكليّة .
وهذا التهيّؤ قوّة للنفس تسمّى بالعقل الهيولانىّ والعقل بالقوّة . وانّما تسمّى هيولانيّا ، لأنّه كما أنّ للأجسام هيولى لا صورة لها البتّة ولكن من شأنها أن تقبل كلّ صورة محسوسة كذلك في الأنفس هيولى لا صورة لها البتة ، ولكن تقبل كلّ صورة معقولة ؛ ولو كانت مخصوصة بصورة محسوسة لما صلحت لأن تقبل الصور المعقولة ، على ما نبيّنه عن قريب ، ولو كانت مخصوصة بصورة معقولة لما قبلت غيرها قبولا مستقيما ؛ كاللوح المكتوب فيه ، ولكنّها استعداد في النفس محض لقبول الصور كلّها .
[ فصل 5 ] في أنّ العقل الهيولاني بالقوّة عالم عقلي ، وأنّه كيف يعقل المعقولات المحضة والمحسوسات التي هي معقولة بالقوّة ، وأنّها إنّما تخرج إلى الفعل بالعقل الفعّال ، وأنّها أوّلا تكون عقلا بالملكة ثم بالفعل ثم عقلا مستفادا
ومن شأنها أن تصير عالما عقليا ، اى يحصل فيها صورة كلّ موجود ممّا هو بذاته معقول ، لخلوّه عن المادّة ، أو ما هو بذاته غير معقول ، بل صورة في مادّة ، لكن القوّة العقليّة تجرّد صورته عن المادّة على ما نوضح عن قريب . فتكون خالقة فاعلة للصور المعقولة وقابلة لها معا .
والعالم امّا عالم عقلىّ وامّا عالم حسىّ . وكلّ عالم فانّما هو ما هو بصورته ، فإذا حصلت صورته لشئ على ما هو عليه فذلك الشئ في نفسه عالم . فالعقل الهيولانىّ مستعدّ لأن يكون عالم الكلّ ، لأنّه يتشبّه بالعالم العقلي ويشبه بنفسه العالم الحسّى . فيكون فيه ماهيّة كلّ شئ موجود وصورته . فان عسر عليه شيء :