فإمّا لأنّه في نفسه ضعيف الوجود خسيسه شبيه بالعدم ، وهذا مثل الهيولى ، والحركة ، والزمان ، واللا نهاية ؛ وإمّا لأنّه شديد الظهور فيبهر القوّة ، كالضوء القوى للابصار ، وهذا مثل مبدأ الكلّ والأمور العقليّة الصرفة ، فانّ كون النفس الانسانيّة في المادّة تورثها ضعفا عن تصوّر هذه الظاهرات جدّا في الطبيعة فيوشك أنّها إذا تجرّدت طالعتها حقّ المطالعة واستكملت تشبّهها بالعالم العقلىّ الذي هو صورة الكل عند الباري تعالى وفي علمه السابق لكلّ وجود بالذات لا بالزمان .
فهذه القوّة التي تسمّى هيولانيا هو بالقوّة عالم عقلىّ من شانه أن يتشبّه بالمبدأ الأوّل . ولمّا كان كلّ ما يخرج من القوّة إلى الفعل يخرج بسبب مفيد له ذلك الفعل ، وينتقش صورة في شمع عمّا ليس له تلك الصورة ويفيد شئ كمالا فوق الذي له ، فيجب أن تخرج هذه القوّة إلى الفعل بشيء من العقول المفارقة المذكورة ، إمّا كلّها ، وإمّا الأقرب إليها في المرتبة ، وهو العقل الفعّال ، وكلّ واحد من العقول المفارقة عقل فعّال . لكنّ الأقرب منّا عقل فعّال بالقياس الينا .
ومعنى كونه فعّالا أنّه في نفسه عقل بالفعل ، لا أنّ فيه شيئا هو قابل للصورة المعقولة ، كما هو عندنا ، وشيئا هو كمال ، بل ذاته صورة عقليّة قائمة بنفسها ، وليس فيها شئ ممّا هو بالقوّة وممّا هو مادّة البتة . فهي عقل وتعقل ذاتها ، لأنّ ذاتها أحد الموجودات . فهي عقل لذاتها ومعقول ، لأنّها موجودة من الموجودات المفارقة للمادّة . فلا يفارق كونها عقلا كونها معقولا ، ولا كونها هذا العقل كونها هذا المعقول . فامّا عقولنا فيفترق فيها ذلك ، لانّ فيها ما بالقوّة . فهذا أحد معاني كونه عقلا فعّالا .
وهو أيضا عقل فعّال ، بسبب فعله في أنفسنا وإخراجه إيّاها عن القوّة إلى الفعل . وقياس العقل الفعّال إلى أنفسنا قياس الشمس إلى أبصارنا ، وقياس ما يستفاد منه قياس الضوء المخرج للحسّ بالقوّة إلى الفعل والمحسوس بالقوّة إلى الفعل .
المبدأ والمعاد — صفحة 98
مساهمون: أبو علي سينا
ص٩٨