تنفذ من القلب في الشريان الواحد إلى الدماغ قوّة احساس وحركة وإلى الكبد إذا تخلو قوّة التغذية .
فلا يمنع أن تنفذ من مبدأ واحد قوى مختلفة في آلة واحدة ثمّ تنقسم في الأعضاء فتتفرق ، فتخصّ كلّ عضو منها قوّة على حدّة ، فيكون الشريان ينفذ فيه ما دام واحدا الروح حاملا لمبادى القوى كلّها .
ثمّ إذا انقسم فارتفع شعبة منه إلى الدماغ نفذ فيها قوّة ، وإذا انحطت شعبة إلى الكبد نفذ فيها قوّة أخرى ، فانّ شعب العصب هذه أحوالها . وأيضا فانّ شعب الأوردة هذه أحوالها ، فانّ لكلّ عضو قوّة غاذية مخالفة لما في العضو الآخر في النوع . وإنّما مبدأها كلّها الكبد بعد القلب وآلتها الوريد ، ومن عرف التشريح لم يستبعد هذا .
فالقلب مبدأ للقوى كلّها ، وذلك لأنّ النفس واحد بالذات وإنّما تحلّ هذا القلب . ثمّ يكون مبدءا لقوى كثيرة .
وبين البدن وبين القوى جرم لطيف حار ، هو الحامل الأوّل لهذه القوى كلّها ، ويسمّى الروح . وهو حادث ، لامتزاج لطافة الأخلاط وبخاريّتها على نسبة محدودة ، كما أنّ الأعضاء حادثة عن امتزاج كثافة هذه الأخلاط ، ولولا أنّ هذه القوى تنفذ بتوسّط جسم لما كانت السدد تمنع الحسّ والحركة . ولولا أنّ هذا الجسم شديد اللطافة لما نفذ في شباك هذا العصب .
وهذا الروح ما دام في القلب فيسمّى روحا حيوانيّا . ثمّ إذا حصل في الدماغ وانفعل انفعالا ما سمّى روحا نفسانيّا . ومسكنه هناك في تجاويف الدماغ وبطونه . ثمّ إذا حصل في الكبد سمّى روحا طبيعيّا ، ومسكنه بطون الأوردة .
وهذا الروح يحصل في القلب على مزاحين ، في أكثر الحيوان . مزاج ونسبة حارّة يختصّ بالذكران ، فحينئذ تفعل الطبيعة الآلات الذكوريّة ؛ ومزاج ونسبة أقلّ حرارة يختصّ بالإناث ، فحينئذ تفعل الطبيعة آلات الإناث .
المبدأ والمعاد — صفحة 95
مساهمون: أبو علي سينا
ص٩٥