والثالث على أنّه لنبيّنا عليه السّلام « 1 » خلاف الظاهر .
هامش
( 1 ) حمل قضية آصف في إتيانه عرش بلقيس قبل أن يرتدّ طرف سليمان عليه السّلام على الإرهاص لسليمان عليه السّلام باطل ؛ فإنّ الإرهاص كما عرفت هو تأسيس لقاعدة النبوة قبل بعثة النبي ، وأمّا في زمن وقوع تلك القصة كان سليمان عليه السّلام نبيا مبعوثا لأمته فكيف يستقيم القول بأنّها إرهاص ؟
وأمّا الأئمة عليهم السّلام فأكثرهم كانوا بعد زمن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ، وصدور المعجز عنهم عليهم السّلام لا يكون إرهاصا لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله بعد رحلته عن الدنيا ، بل العلة في صدور المعجز عنهم عليهم السّلام أنّ كلّ الكمالات النفسانية الموجودة في النبي صلّى اللّه عليه وآله لا بدّ أن تكون موجودة في الإمام القائم مقامه إلّا النبوّة ؛ فإنّ هذا المنصب العظيم غير موجود في الإمام ، فكما أنّ النبي صلّى اللّه عليه وآله هو صاحب المعجز فكذا الامام عليه السّلام وإلّا لا يكون إماما قائما مقامه ووصيا عن النبي صلّى اللّه عليه وآله فإنّ العقل يحكم أنه لا تناسب بين النبي صلّى اللّه عليه وآله وبين الجاهل الغبي أن يكون إماما للأمة ووصيا عن صاحب الرسالة .
نعم الفرق بين صدور المعجز عن النبي صلّى اللّه عليه وآله والإمام عليه السّلام هو أنه يجب على النبي صلّى اللّه عليه وآله أن يظهر إعجازه في مقام التحدي وإثبات النبوة ، وأمّا الإمام عليه السّلام بما أنّه منصوب من جانب اللّه تعالى بواسطة النبي وتنصيصه فلا يجب له إظهار المعجز في إثبات إمامته ، نعم لا بدّ له من إظهاره إذا سأله الناس إظهار المعجز في إثبات الإمامة أو رأى الإمام عليه السّلام المصلحة في الإظهار فأظهره ، وصدور المعجزات عن العترة الطاهرة سلام اللّه عليهم إذا رأوا المصلحة في ذلك نقلت متواترا معنى ، والتواتر مفيد للعلم الضروري وقد ألّف علماؤنا الإمامية ( ض ) في هذا الموضوع كتبا نفيسة موجودة منتشرة ، شكر اللّه تعالى مساعيهم الجميلة .
وممّا هو جدير بالذكر هنا هو أنّ سياق الآيات الشريفة في سورة النمل في قوله تعالى :« قالَ يا أَيُّهَا الْمَلَؤُا أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها »الخ وقوله تعالى :« قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ »الخ وقوله تعالى :« قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتِيكَ »الخ أنّ الخطاب في قول العفريت :أَنَا آتِيكَ بِهِوكذا الخطاب في« أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ »لسليمان عليه السّلام فإنّه المنادي للملإ :أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها، وفي جوابه يكون الخطاب من العفريت لسليمان عليه السّلام وكذا الخطابات في« أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ »لسليمان عليه السّلام أيضا ، فإنّه هو الذي يريد الإتيان بالعرش إليه ، وهو الذي يراد الإتيان به إليه لا العفريت ، حتّى تكون الخطابات إليه ، فإن كان المراد من« قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتِيكَ . . . »هو سليمان عليه السّلام فلا بدّ حينئذ أن يكون عفريت هو الذي يريد الإتيان بالعرش إليه ، مع أنّه لم يكن يريد الإتيان به بل الذي يريد ذلك هو سليمان عليه السّلام .
وبالجملة القول بأنّ قائل :« قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ . . . »هو سليمان عليه السّلام والخطابات في قوله :« أَنَا آتِيكَ بِهِ . . . »هو للعفريت ، خلاف ظاهر سياق الآيات ، ولا نرفع اليد عن الظاهر بالوجوه الرديئة السخيفة التي ذكرها بعض المفسّرين ، عنادا لما ورد عن أئمة أهل البيت عليهم السّلام أنّ المراد من« قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ »هو آصف بن برخيا وصيّ سليمان عليه السّلام ووزيره مع أنّهم أعرف بالقرآن وتفسيره من غيرهم ، فإنّهم أحد الثقلين وعندهم علم كلّ الكتاب .