رِزْقاً قالَ يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا . قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ »
« 1 » ، وهذا يدل على أنه ما كان عالما وإذا كان كذلك استحال أن يجعل معجزة له عليه السلام ، إذ لو جوزنا أن يكون المعجز معجزا لا لمن ظهر عليه بل كان معجزا لإنسان آخر لم يكن عالما بذلك لجاز أن نقول في جميع المعجزات / التي ظهرت على الأنبياء أنها ما كانت معجزات لهم بل كانت معجزات لأنبياء اخر كانوا غافلين عن ذلك .
وثالثها : أنه تعالى ذكر هذه الخوارق ولم يذكر نبيا أما زكريا أو غيره في أثناء القصة . ولو كانت معجزة لأحد من الأنبياء لذكره وذكر دلالتها على نبوته لأن ذلك دليل من غير بيان دلالته على المدلول غير مفيد .
وأما أصحاب الكهف فالأمر فيهم أظهر لأن بقاءهم على السلامة في المدة الطويلة من غير طعام وشراب خارق للعادة فلو كان ذلك معجزا لنبي لكان إما أن يقال أن ذلك النبي هو واحد منهم أو إنسان آخر القسمان باطلان لقوله تعالى حكاية عنهم : ( ولا يشعرن بكم « 2 » أحدا ) ، ولو كان معجزا دالا على نبوته لأمته لوجب عليهم إظهار ذلك وإشاعته فيما بين الناس حتى تقوم به حجة الآية . وثانيها : أن ذلك مما لا يمكن الاستدلال به على نبوة أحد ، لأن أولئك الذين يستدلون ببقائهم نائمين « 3 » في تلك المدة الطويلة إما أن يكونوا قد بقوا في تلك المدة أو ما بقوا فيها ، فإن بقوا فيها لم يكن بقاء أصحاب الكهف في تلك المدة الطويلة خارقا للعادة ، ولو كانوا ما بقوا في تلك المدة لم يمكنهم أن يعلموا صدق قول أصحاب الكهف في نومهم تلك المدة الطويلة إلا إذا عرفوا أولا بدليل آخر صدقهم ، فثبت أنه لا يمكن الاستدلال بذلك على نبوة أحد ، وكذلك لو جعل ذلك واحد منهم دالا على نبوة الباقين من أصحاب الكهف إذ ذلك لا يمكن تعريفه إلا بدليل آخر فإنهم حين استيقظوا ما قدروا أن يعرفوا كم بقوا نائمين حتى أن الله تعالى ذكر
هامش
( 1 ) سورة آل عمران ، آية : 37 .
( 2 ) في الأصل : « فلا يشعرن » ( الكهف ( 19 ) .
( 3 ) مضافة بالهامش هكذا « نائمون » .