حكاية عنهم :
« قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ »
« 1 » ، فصح أنه لا يمكن أن يجعل دليلا على نبوة أحد لا منهم ولا من غيرهم وكان من الكرامات لا من المعجزات الدالة على النبوة .
قوله : لم لا يجوز أن يكون إرهاصا لنبي / سيبعث . قلنا : الجواب عنه من وجهين ، أحدهما : ما ذكرناه من أن ذلك يمكن فيما شاع وظهر لا فيما خفى كما قررناه في قصة مريم وأصحاب الكهف . والثاني : أن الارهاص هو أن يخص الرسول قبل رسالته بالكرامات .
وأما إكرام غيره لأجل أنه سيجيء من ( بعد ) « 2 » ذلك نبي ، فليس تلك الإبانة عنه من الكرامات . ولو جوزنا أن يظهر أمر خارق على إنسان ولا يكون متعلقا به ، بل يكون تمام المقصود فيه أن يتعلق بغيره إرهاصا له لجوزنا فيما ظهر على الأنبياء من المعجزات ألا يتعلق بهم تصديقا ، بل بكون ذلك لأجل تصديق نبي آخر وإرهاصا لنبي سيجيء من بعد ، وذلك يسد باب النبوة حينا إلى الجواب عن حججهم .
أما حجتهم الأولى فالجواب عنها أن نقول : لم إذا جاز ظهوره على الأنبياء ثم لازم جوازه وحرمه أن يكون ذلك في حق الأولياء وهذا جمع بين الموضعين في غير جامع ، واكتفاء بمجرد الدعوى ، والفرق بين الموضعين أنه إنما يجب ظهور ذلك في حق الأنبياء ، لأن الله تعالى كلفنا في حق الأنبياء أن نصدقهم ونأخذ منهم الشرائع التي هي مصالحنا ، ولا طريق لنا إلى ذلك إلا بالنظر في معجزاتهم ، وكذلك يجب ظهور المعجزات في حقهم بخلاف الأولياء فإنه لا يجب علينا معرفة كونهم أولياء ، ولا أخذ الشريعة من جهتهم ، فلم يحصل في حقهم وجه الوجوب الذي بيناه في حق الأنبياء حتى أنكم لو منعتم ما ذكرنا من وجه الوجوب في ظهور المعجزات فنحن أيضا نمنع عنكم أصل الوجوب في ظهور ذلك ، أليس لو أرسل الرسول رسولا إلى بعض المواضع وادعى أنه رسول الرسول فإنه يلزم الرسول تصديق تصديق رسوله ، ولا يلزمه أن يصدق بكل صادق .
هامش
( 1 ) سورة الكهف ، آية : 19 .
( 2 ) أضيفت ليتضح المعنى .