تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القضاء والقدر — صفحة 9

مساهمون:

ص٩
والإنسان . ومن هنا فهو قول فصل ، وبيان ليس فوقه بيان . هذا من جهة ومن جهة ثانية فإنه لا يفسر كذلك بمعزل عن السنة الشريفة الصحيحة الواردة عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . وفي تقديري أننا بقدر ما نعرف نظرة القرآن الكريم للإنسان بقدر ما نعرف المسألة . الإنسان ككائن يقف في الوسط بما أوتي من علم وعقل وأمانة ونفس وهوى ، بين عالمين عالم الشهادة الذي يتصل به سلوكه وانشاؤه لأفعاله وبين عالم الغيب الذي يرتبط به - الجن والشياطين والملائكة وعالم الخلق والأمر . أيضا إن في القرآن مسلمات ينبغي أن لا تغيب عن الذهن وإلا لأدى البحث إلى انحراف العقيدة والسلوك . منها أن الإنسان قطعا مبتلى ومكلف ومسؤول عن عمله - كيفما كان عمله ودوافعه - ومنها أن الآخرة ويوم الدين واقعان لا محالة . وأن الساعة لا ريب فيها - فلا احتجاج لأحد بالجبر
سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ . قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ
. ثم أخيرا أننا بقدر ما نعرف اللّه وأسماءه وصلتنا وصلة العالم من حولنا بها بقدر ما تنحل عندنا العقدة الثالثة في المسألة . فنذوق حلاوة الإيمان والرضى بالقضاء ، والاطمئنان بعد القدر . واللّه سبحانه وتعالى أعلم . والإمام الرازي أحد الأئمة الذين خاضوا في هذه المسألة وكان له رأي خطير فيها آثار حفيظة الكثيرين من العلماء والذي لخصه في عبارة صغيرة ( الإنسان مضطر في صورة مختار ) والتي تتردد كثيرا في هذا الكتاب . وهو يستخدم لفظة جبر صراحة بدلا من لفظة « الكسب » الأشعرية . وليس بدعا منه ذلك فقد سبقه الشهرستاني إلى اعتبار الجبرية : خالصة ومتوسطة والمتوسطة هم الذين يثبتون للعبد قدرة لكنها غير مؤثرة أصلا . عبر الرازي عن رأيه في القضاء والقدر في كتبه المختلفة ، فقد عرضه في ثنايا تفسيره ( مفاتيح الغيب ) وأفرد له مؤلفا مستقلا لم يصل إلينا وتناوله في كتبه العقائدية والكلامية والفلسفية كالمحصل والأربعين والمعالم والمباحث المشرقية وغيرها . ولكن على ما ذا استند الرازي في مذهبه ( الإنسان مضطر في صورة مختار ) ؟ إنه يبني رأيه على القاعدة الفلسفية : « إن الممكن لا يترجح أحد طرفيه على الآخر إلا لمرجح » . ثم على قاعدة ثانية متممة للأولى : « إن الفعل واجب الحصول عند مجموع القدرة والداعية » وهما أي القدرة والداعية يقعان بخلق اللّه عز وجل لوقوعهما تحت عموم « اللّه خالق كل شيء » .