تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القضاء والقدر — صفحة 7

مساهمون:

ص٧

تقديم

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم الحمد للّه مقدر الأقدار ، وجاعل لكل شيء قدرا وقدرا ، سبحانه خالق كل شيء بقدر ، وكان أمره قدرا مقدورا وقضاء مقضيا ، تعالى أن يحدث في ملكه ما لا يريد ، وتقدس أن يريد ظلما للعبيد ، أمره حتم ، وقضاؤه مبرم ، وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون . خلق الإنسان ، وحمله أمانة عجزت عنها السماوات والأرض والجبال وأبين أن يحملنها ، واستخلفه في الأرض ، وأمده بفطرة لا تتبدل ، ذلك الدين القيم ، ويسر له السبيل إما شاكرا وإما كفورا ، ولم يكن لبني آدم حجة على اللّه تعالى بعد إرساله الرسل ، لو شاء سبحانه لهدى الناس جميعا ، ولكن ليبلونا فيما آتانا ، فمن عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها ، وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى ثم يجزاه الجزاء الأوفى ، فمن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ، ومن كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار . ثم الصلاة على سيدنا محمد المبعوث إلى الثقلين رحمة وهداية ، شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى اللّه بإذنه وسراجا منيرا ، صلاة اللّه وسلامه عليه وعلى آله الأطهار وأصحابه الأخيار . وبعد ، فإن مشكلة القدر ، هي مشكلة الإنسان ، فلا عجب أن تنبت في كل عصر وفي كل بيئة ، وينقسم الناس حيالها فرقا وطوائف . كل فرقة نظرت إلى جانب من جوانب المشكلة ، ويدفعها في ذلك نوازع وتطلعات خفية أو ظاهرة . وتشابك عناصر هذه المشكلة هو العامل الرئيسي في صيرورتها متاهة من متاهات العقل البشري الذي قد لا يستطيع تخطي حدود الزمان والمكان . فهي من جهة تبحث في الإنسان وقدراته الباطنة والظاهرة وأفعاله وسلوكه ، ومن جهة تبحث في هذا الإنسان تحت سلطان القضاء والقدر ، أو الإرادة المشيئة والإرادة الإلهية فضلا عن العلم والحكمة . ومن جهة ثالثة تبحث عن موقف هذا الإنسان من التكاليف الشرعية - أي من النبوة والأنبياء ، وأخيرا هي تبحث في الغاية الكبرى لهذا الوجود الإنساني ، كالبعث والنشور والحساب والثواب والعقاب . ولعله لهذا السبب كانت مباحث الحرية والقدر التي اقتصرت على زاوية أو جانب من هذه الجوانب ، أو اقتصرت على العقل دون الرجوع إلى الوحي ونصوصه ، هي مباحث لم تصل إلى الحقيقة ولم تهتد إلى الصواب . وبقيت تدور في فلك الحيرة . وليس بصحيح أن العقل - مستقلا - يستطيع حل هذه الإشكالية ، لسبب بسيط وظاهر أن من