تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القضاء والقدر — صفحة 8

مساهمون:

ص٨
موضوعاتها ما يتجاوز حدود ما هو فوق نطاقه ، وخارج ميدان معرفته . ولكون هذه المسألة إنسانية ، ترتبط بالإنسان كإنسان ، لم تقتصر على أمة دون أمة ولا على قوم دون قوم ، ومن السخف أن يحاول المرء أن يلتمس في ظهورها في حضارة ما إلى عناصر دخيلة . كما فعل بعض المستشرقين - من أمثال ماكس هورتن في « فلسفة الإسلام » وجولد تسيهر في « الإسلام عقيدة وشريعة » - من التوصل إلى أن عقيدة الاختيار وحرية الإرادة ومسؤولية الإنسان عند المعتزلة جاءت هؤلاء المسلمين الأحرار عن طريق علم الكلام المسيحي أو أن عقيدة الجبر إنما جاءت من المجوس أو اليهود - كما فعل هنري ديكاستري في « الإسلام خواطر وسوانح » . إن مبعث هذه المشكلة هو الإنسان والقلق الوجودي والمصيري عنده ، ومادتها من معرفته بنفسه ، أو من نصوص الوحي . وإذا كان هناك تأثر - عند المسلمين - بحضارة سابقة فليس قطعا في هاتين الناحيتين وإنما في توجيه النظر إلى جوانب معينة في المشكلة أو في طريقة ومنهج البحث فيها . والقرآن الكريم حين يتعرض للقضاء والقدر ، لا يثبت مذهبا سابقا عليه كالجبر أو حرية الاختيار والإرادة . لذا حين التمس كل طرف دليلا لمذهبه منه وجد بغيته : فالجبري وجد نصرة لرأيه في قوله تعالى
اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ
إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ
كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ
وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ
قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلَّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا
الخ . والقدري القائل بحرية الإرادة وجد متسعا لرأيه في قوله تعالى
كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ
و
فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ
مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها
وجميع آيات الفعل والصنع والسعي والكسب والعمل والتكليف والثواب والعقاب الخ . والمتوسطون رأوا في قوله عز وجل
وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ
ربطا بين المشيئتين وفهموا الكسب على أنه وسط بين الجبر و ( الخلق ) والحرية ( أو أن يخلق المرء فعله من غير قيام موانع تمنعه من الفعل ) . والحقيقة أن القرآن لا تفهم آياته بهذا النمط التعسفي الذي يجعل بعض آياته حقيقة وبعضها الآخر مجازا فيسلط التأويل على الأخرى بحجة كونها مجاز أو كونها متشابهة أو غير ذلك دون أي برهان أو دليل . إن على الباحث المسلم أن يتناول الآيات دون أن يجتزئها من سياقاتها القريبة والبعيدة وأن يعتبر القرآن كلا لا يتجزأ يفسر بعضه بعضا . وأنه يتجلى فيه بصورة معجزة وحدة المخاطب ( بالكسر ) والخطاب والمخاطب ( بالفتح ) . أو بعبارة أوضح : اللّه ، الوحي ( أو الرسالة )