أقرب الوجوه أو تفويض علمه إلى الله تعالى ؛ و هذا أقرب إلى السلامة .
أمّا التأويل : فمعنى العرش هاهنا الملك من قولهم « ثلّ عرش فلان » إذا ذهب ملكه .
و قال سعد بن زايدة الخزاعىّ فى نعمان بن المنذر :
قد نال عرشا لم ينله نائل * جنّ و لا إنس و لا ديّار
و أراد الملك .
و الرحمن لمّا خلق العالم استوى له الملك و لا يزول عنه ، فلهذا المعنى قال : استوى على الملك مجازا .
و هاهنا وجه آخر و هو أنّ للااستواء « 1 » معان فى اللغة و هى : « الاستقامة » و هى مشهورة ؛ و « الاستقرار » لقوله تعالى :
« وَ غِيضَ الْماءُ وَ قُضِيَ الْأَمْرُ وَ اسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ »
« 2 » أى استقرّت السفينة على الجودىّ ؛ و « التمام » لقوله تعالى :
« وَ لَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَ اسْتَوى »
« 3 » أى تمّ ؛ و « الاستيلاء » و « الاقتدار » ، قال الشاعر فى بشر بن مروان :
قد استوى بشر على العراق * من غير سيف و دم مهراق
« 4 » ذكر « الاستواء » و أراد « الاستيلاء » . و المراد فى الآية الاستيلاء و الاقتدار ؛ و إنّما خصّ العرش بالاستيلاء تعظيما له . و لو فسّر العرش هاهنا أيضا بالملك لكان أحسن .
و قيل : فى هذا الوجه نظر ؛ لأنّ هذا يقتضي أن لا يكون مستوليا على العرش ثم صار مستوليا ؛ إذ « ثمّ » للتعقيب و التراخى .
و هاهنا وجه آخر أقرب إلى الصواب و هو ما جاء فى السفر الأوّل من التورية : « إنّ الله خلق السموات و الأرض فى ستّة أيّام و عطّل السابع و أراح » « 5 » ، و الإراحة جاءت لازمة و متعدية ، و الله تعالى منزه عن اللغوب ، و قال عزّ من قائل :
« وَ لَقَدْ خَلَقْنَا
هامش
( 1 ) . اصل : لك استواء .
( 2 ) . هود / 44 .
( 3 ) . قصص / 14 .
( 4 ) . ش : معنى البيت قد استولى بشر على العراق من غير إدارة سيف و إراقة دم .
( 5 ) . كتاب مقدس ، تورات ، سفر أوّل ، باب أوّل و دوم ، ص 1 - 2 .