وجود كل فلك على عقل من تلك العقول ؛ في خبط لهم طويل ، قد استقصينا وجه الرد عليهم في ذلك في فن الكلام « 1 » ، ولسنا نشتغل في هذا الكتاب إلا بما يخص هذه الفرقة ، وهو إبطال الرأي وإثبات التعليم .
( الطرف الثاني ) في بيان معتقدهم في النبوات
والمنقول عنهم قريب من مذهب الفلاسفة ، وهو أن النبي عبارة عن شخص فاضت عليه من السابق - بواسطة التالي - قوة قدسية صافية مهيأة لأن تنتقش - عند الاتصال بالنفس الكلية - بما فيها من الجزئيات ، كما قد يتفق ذلك لبعض النفوس الزكية في المنام حتى تشاهد من مجارى الأحوال في المستقبل : إما صريحا بعينه ، أو مدرجا تحت مثال يناسبه مناسبة ما ؛ فتفتقر فيه إلى التعبير ؛ إلا أن النبي هو المستعد لذلك في اليقظة ؛ فلذلك يدرك النبي الكليات العقلية عند شروق ذلك النور وصفاء القوة النبوية ، كما ينطبع مثال المحسوسات في القوة الباصرة من العين عند شروق نور الشمس على سطوح الأجرام السفلية .
وزعموا أن جبريل عبارة عن العقل الفائض عليه ، ورمز إليه ، لا أنه شخص متجسم متركب عن جسم لطيف أو كثيف يناسب المكان حتى ينتقل من علو إلى أسفل .
وأما القرآن فهو عندهم تعبير « محمد » عن المعارف التي فاضت عليه من العقل الّذي هو المراد باسم جبريل ؛ ويسمى « كلام الله » تعالى مجازا ، فإنه مركب من جهته ، وإنما الفائض عليه من الله بواسطة جبريل بسيط لا تركيب فيه وهو باطن لا ظهور له ؛ وكلام النبي وعبارته عنه ظاهر لا بطون له . وزعموا أن هذه القوة القدسية الفائضة على النبي لا تستكمل في أول حلولها ، كما لا تستكمل النطفة الحالة في الرحم إلا بعد تسعة أشهر فكذلك هذه القوة : كمالها في أن تنتقل من الرسول الناطق إلى الأساس الصامت . وهكذا تنتقل إلى أشخاص بعضهم
هامش
( 1 ) فن الكلام : علم الكلام . والملاحظ أن الإمام الغزالي يسير في الرد على دعاويهم ومفترياتهم بأسلوب المناطقة .