تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فضائح الباطنية — صفحة 38

مساهمون:

ص٣٨

الفصل الثاني في بيان السبب في رواج حيلتهم وانتشار دعوتهم مع ركاكة حجتهم وفساد طريقتهم

فإن قيل : ما جليتموه من العظائم لا يتصور أن يخفى على عاقل ، وقد رأينا خلقا كثيرا وجمّا غفيرا من الناس يتابعونهم في معتقدهم وتابعوهم في دينهم ؛ فلعلكم ظلمتموهم بنقل هذه المذاهب عنهم في خلاف ما يعتقدونه ! وهذا هو القريب الممكن ؛ فإنهم لو أظهروا هذه الأسرار نفرت القلوب عنهم واطلعت النفوس على مكرهم ؛ وما باحوا بها إلا بعد العهود والمواثيق وصانوها إلا عن موافق لهم في الاعتقاد - فمن أين وقع لكم الاطلاع عليها وهم يسترون ديانتهم ويستبطنون بعقائدهم ؟ قلت : أما الاطلاع على ذلك فإنما عثرنا عليه من جهة خلق كثير تدينوا بدينهم واستجابوا لدعوتهم ، ثم تنبهوا لضلالهم فرجعوا عن غوايتهم إلى الحق المبين فذكروا ما ألقوا إليهم من الأقاويل . وأما سبب انقياد الخلق إليهم في بعض أقطار الأرض فإنهم لا يفشون هذا الأمر إلا إلى بعض المستجيبين لهم ويوصون الداعي ويقولون له : « إياك أن تسلك بالجميع مسلكا واحدا ، فليس كل من يحتمل قبول هذه المذاهب يحتمل الخلع والسلخ ، ولا كل من يحتمل الخلع يحتمل السلخ ؛ فليخاطب الداعي الناس على قدر عقولهم » . فهذا هو السبب في تعلق هذه الحيل ورواجها . فإن قيل : هذا أيضا مع الكتمان ظاهر البطلان ؛ فكيف ينخدع بمثله عاقل ؟ قلنا : لا ينخدع به إلا المائلون عن اعتدال الحال واستقامة الرأي . فللعقلاء عوارض تعمى عليهم طرق الصواب وتقضى عليهم بالانخداع بلامع السراب ، وهم ثمانية أصناف :
فضائح الباطنية — صفحة 38 | الغزالي