تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فضائح الباطنية — صفحة 33

مساهمون:

ص٣٣
ولا ينفس عنه أصلا ، بل يتركه معلقا ويهول الأمر عليه ويعظمه في نفسه ويقول له : لا تعجل ، فإن الدين أجل من أن يعبث به ، أو أن يوضع في غير موضعه ويكشف لغير أهله ، هيهات ، هيهات !
جئتمانى لتعلما سر سعدى * تجدانى بسر سعدى شحيحا
ثم يقول له لا تعجل ! إن ساعدتك السعادة سنبث إليك سر ذلك ، أما سمعت قول صاحب الشرع : إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق ، فإن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهر « 1 » أبقى « 2 » . وهكذا لا يزال يسوقه ثم يدافعه حتى إن رآه أعرض عنه واستهان به وقال : ما لي ولهذا الفضول ، وكان لا يحيك في صدره حرارة هذه الشكوك ، قطع الطمع عنه ؛ وإن رآه متعطشا إليه وعده في وقت معين ، وأمره بتقديم الصوم والصلاة والتوبة قبله ؛ وعظّم أمر هذا السر المكتوم . حتى إذا وافى الميعاد قال له : إن هذه الأسرار مكتومة لا تودع إلّا في سر محصن ؛ فحصن حرزك ، وأحكم مداخله حتى أودعه فيه . فيقول المستجيب : وما طريقه ؟ فيقول : أن آخذ عهد الله وميثاقه على كتمان هذا السر ومراعاته عن التضييع فإنه الدر الثمين والعلق النفيس ؛ وأدنى درجات الراغب فيه صيانته عن التضييع ؛ وما أودع الله هذه الأسرار أنبياءه إلا بعد أخذه عهدهم وميثاقهم ؛ وتلا قوله تعالى :
وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ
[ الأحزاب : 7 ] الآية وقال تعالى :
مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ
[ الأحزاب : 23 ] ؛ وقال تعالى :
وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها
[ النحل : 91 ] . وأما النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فلم يفشه إلا بعد أخذ العهد على الخلفاء وأخذ البيعة على الأنصار تحت الشجرة « 3 » . فإن كنت راغبا فاحلف لي على كتمانه ، وأنت
هامش
( 1 ) كذا في المطبوعة ؛ والصحيح : ولا ظهرا . ( 2 ) رواه مسلم في صحيحه ؛ وأبو داود والنسائي وابن حبان . ( 3 ) وتسمى بيعة الرضوان ؛ وكانت يوم الحديبية وشملت المهاجرين والأنصار جميعا يقول تعالى :لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ[ الفتح : 18 ] .