تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فضائح الباطنية — صفحة 31

مساهمون:

ص٣١
التبري منهم ومن أتباعهم ، وفي تولى الأئمة الصالحين وفي انتظار خروج المهدي ؛ وإن كان المدعو ناصبيا ذكر له أن الأمة إنما أجمعت على أبى بكر وعمر ، ولا يقدم إلا من قدمته الأمة ؛ حتى إذا اطمأن إليه قلبه ابتدأ بعد ذلك يبث الأسرار على سبيل الاستدراج المذكور بعد ؛ وكذلك إن كان من اليهود والمجوس والنصارى حاوره بما يضاهى مذهبهم من معتقداته ، فإن معتقد الدعاة ملتقط من فنون البدع والكفر ، فلا نوع من البدعة إلا وقد اختاروا منه شيئا ، ليسهل عليهم بذلك مخاطبة تلك الفرق على ما سنحكي من مذهبهم . أما حيلة « التأنيس » فهو أن يوافق كل من هم بدعوته في أفعال يتعاطاها هو ومن تميل إليه نفسه وأول ما يفعل الأنس بالمشاهدة على ما يوافق اعتقاد المدعو في شرعه ؛ وقد رسموا للدعاة والمأذونين أن يجعلوا مبيتهم كل ليلة عند واحد من المستجيبين ، ويجتهدون في استصحاب من له صوت طيب في قراءة القرآن ليقرأ عندهم زمانا ، ثم يتبع الداعي ذلك كله بشيء من الكلام الرقيق وأطراف من المواعظ اللطيفة الآخذة بمجامع القلوب ؛ ثم يردف ذلك بالطعن في السلاطين وعلماء الزمان وجهال العوام ، ويذكر أن الفرج منتظر من كل ذلك ببركة أهل بيت رسول الله صلى اللّه عليه وسلم وهو فيما بين ذلك يبكى أحيانا ويتنفس الصعداء . وإذا ذكر آية أو خبرا ذكر أن لله سرا في كلماته لا يطلع عليه إلا من اجتباه الله من خلقه وميزه بمزيد لطفه ، فإن قدر على أن يتهجد بالليل مصلّيا وباكيا عند غيبة صاحب البيت بحيث يطّلع عليه صاحب البيت ، ثم إذا أحسّ بأنه اطلع عليه عاد إلى مبيته واضطجع كالذي يقصد إخفاء عبادته ، وكل ذلك ليستحكم الأنس به ويميل القلب إلى الإصغاء إلى كلامه ، فهذه هي مرتبة التأنيس . وأما حيلة « التشكيك » فمعناه أن الداعي ينبغي له بعد التأنيس أن يجتهد في تغيير اعتقاد المستجيب بأن يزلزل عقيدته فيما هو مصمم عليه . وسبيله أن يبتدئه بالسؤال عن الحكمة في مقررات الشرائع وغوامض « 1 »
هامش
( 1 ) غوامض المسائل : عويصها .
فضائح الباطنية — صفحة 31 | الغزالي