تخطي إلى المحتوى الرئيسي

غاية المرام في علم الكلام — صفحة 129

مساهمون:

ص١٢٩
فإن قيل : يلزم من ذلك إبطال فائدة التخصيص بذكر خلق آدم باليدين ؛ من حيث إن سائر المخلوقات إنما هي مخلوقة بالقدرة القديمة ، فإذا قال :
ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ
[ ص : 75 ] أي بقدرتي لم يكن لها معنى . قلنا : لا يبعد أن تكون فائدة التخصيص بالذكر التشريف والإكرام ، كما خصص المؤمنين بلفظ العباد وأضافهم بالعبودية إلى نفسه . وكما أضاف عيسى والكعبة إلى نفسه ولم تكن فائدة التخصيص بالذكر اختصاصا ما أضافه إلى نفسه بالإضافة ، بل التشريف والإكرام لا غير . ثم إنا قد بينا أن للباري - تعالى - قدرة وهي معنى يتأتى به الإيجاد ، واليدان إما أن يتأتى بهما الإيجاد والخلق أوليس ، فإن تأتى بهما الإيجاد . فهي نفس القدرة ، لا زائدا عليها ، وإن اختلفت العبارات الدالة عليها ، والقول بالتعدد في صفة القدرة مما لا سبيل إليه ، لما أشرنا إليه . وأما إن كانت مما لا يتأتى بها الإيجاد والخلق فلا محالة - أن في حمل اليدين إلى غير القدرة ما يفضي إلى الكذب في الآية ، حيث أضاف الخلق والإيجاد إليهما ولا محالة أن محذور إبطال فائدة التخصيص أدنى من المحذور اللازم من الكذب ، وعلى تقدير التساوي فالاحتمال قائم ، والقطع منتف . وأما قوله :
تَجْرِي بِأَعْيُنِنا
[ القمر : 14 ] فإنه يحتمل الحفظ والرعاية ، ولهذا تقول العرب : فلان بمرأى من فلان ومسمع ، إذا كان ممن يحوط به حفظه ورعايته ، ويشمله رفده ورعايته وقد قيل : إنه يحتمل أن يراد بالأعين هاهنا على الخص ما انفجر من الأرض من المياه ، وأضافها إلى نفسه إضافة التملك . وقوله :
وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ
[ الرحمن : 27 ] فإنه يحتمل أن يكون المعني بالوجه الذات ومجموع الصفات ، وحمله عليه أولى ؛ من جهة أنه خصصه بالبقاء وذلك لا يختص بصفة دون صفة ، بل هو بذاته ومجموع صفاته باق .