تخطي إلى المحتوى الرئيسي

غاية المرام في علم الكلام — صفحة 131

مساهمون:

ص١٣١
يرجع إلى الاستيلاء والاستعلاء . وأما « خبر النزول » فإنه يحتمل أن يكون المراد النزول بمعنى اللطف والرحمة ، وترك ما يليق بعلو الرتبة وعظم الشأن ، والاستغناء الكامل المطلق ولهذا تقول العرب : نزل الملك مع فلان إلى أدنى الدرجات عند لطفه به ، وإحاطته بعنايته ، وانبساطه في حضرة مملكته ، وتكون فائدة ذلك انبساط الخلق على حضرة المملكة ، بالتضرع بالدعوات والتبتل بالعبادات وغير ذلك ، من الرياضات ، في تحصيل المقاصد والمطلوبات . وإلا فلو نظر إلى ما يليق بمملكته ، وعلو شأنه ، وعظمته ، لما وقع التجاسر على خدمته ، والوقوف بعتبته ، فإن العباد وعباداتهم ، من صومهم وصلاتهم ، بالنسبة إلى عظمته وجلاله دون تحريك أنملة بعض العباد ، في معرض الطاعة والخدمة لبعض ملوك البلاد ، ومن فعل ذلك فإنه يعد في العرف - مستهينا ومستهزئا بالمملكة ، وخارجا عن إرادة التعظيم ، فما ظنك بما هو في دون من الرتبة ؟ وأما التخصيص بسماء الدنيا فمن حيث إنها أدنى الدرجات بالنسبة إلى رتبة العلى ، فلذلك جعل النزول إليها مبالغة في اللطف ، كما يقال للواحد منا : صعد إلى السماء ونزل إلى الثرى ، إذ هي أدنى الدرجات بالنسبة إلى رتبته في جانبي النزول والرفعة ، لما ذكرناه . وخصص النزول بالليالي دون الأيام ، من حيث إنها مظنة الخلوات ، ووقت التضرع والدعوات لخالق البريات . وقد قيل : إنه يحتمل أن يكون المراد بنزول اللّه نزول ملك للّه تجوزا واستعارة ، كما قال :
وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ
[ يوسف : 82 ] أي أهل القرية ، وكقوله :
الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ
[ المجادلة : 20 ] أي أولياءه ، ويقول على لسانه ، « هل من تائب فأتوب عليه ؟ هل من مستغفر فأغفر له ؟ » « 1 »
هامش
( 1 ) رواه البخاري ( 1094 ) ، ومسلم ( 757 ) ، وابن حبان ( 920 ) ، والترمذي ( 5 / 526 ) ، والدارمي ( 1479 ) ، وأبو داود ( 2 / 34 ) ( 1315 ) ( 4733 ) ، والنسائي في الكبرى ( 10310 ) ( 10314 ) ، وابن ماجة ( 1366 ) ، مالك في الموطأ ( 498 )