و حالة ثالثة و هي إذا اصطدم الفيلقان ، و تكافح السيفان اعتمد ما يقتضيه الحال من الوقوف حيث يستصلح ، أو من مباشرة الحرب بنفسه فانها آخر المنازل ، و فيها تظهر شجاعة الشجاع النجد ، و فشالة الجبان المموه .
فأين مقام الرياسة العظمى لرسول اللَّه صلى اللَّه عليه و آله و سلم ، و أين منزلة أبى بكر ليسوى بين المنزلتين ، و يناسب بين الحالتين ! و لو كان أبو بكر شريكا لرسول اللَّه صلى اللَّه عليه و آله و سلم في الرسالة ، و ممنوحا من اللَّه تعالى بفضيلة النبوة ، و كانت قريش و العرب تطلبه كما تطلب محمدا عليه السلام ، و كان يدبر من امر الاسلام و تسريب العساكر و تجهيز السرايا و قتل الاعداء ما يدبره محمد صلى اللَّه عليه و آله و سلم ، لكان للجاحظ أن يقول ذلك .
فأما و حاله حاله ، و هو أضعف المسلمين جنانا ، و أقلهم عند العرب ترة ، لم يرم قط به سهم ، و لا سل سيفا ، و لا أراق دما و هو أحد الاتباع غير مشهور و لا معروف و لا طالب و لا مطلوب .
فكيف يجوز أن يجعل مقامه و منزلته مقام رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و آله و سلم و منزلته ! و لقد خرج ابنه عبد الرحمن مع المشركين يوم احد فرأه أبو بكر ، فقام مغيظا عليه فسل من السيف مقدار إصبع ، يروم البروز إليه ،
فقال له رسول اللَّه يا أبا بكر شم [ 1 ] سيفك و امتعنا بنفسك ،
و لم يقل له ( و امتعنا بنفسك ) الا لعلمه بأنه ليس أهلا للحرب و ملاقاة الرجال و انه لو بارز لقتل .
و كيف يقول الجاحظ : لا فضيلة لمباشرة الحرب ، و لقاء الاقران ، و قتل أبطال الشرك ، و هل قامت أعمدة الاسلام الا على ذلك ؟ و هل ثبت الدين و استقر الا
هامش
[ 1 ] شم بكسر الشين و سكون الميم فعل امر من شام يشيم السيف : اغمده ، و استله و هو من الاضداد ، و المراد هنا المعنى الاول