أبو بكر في بعض تلك المعارك هل كان يؤثر قتله في الاسلام ضعفا أو يحدث فيه وهنا أو يخاف على الملة لو قتل أبو بكر في تلك الحرب أن تندرس و تعفى آثارها و تطمس منارها ؟ ليقول الجاحظ : ان أبا بكر كان حكمه حكم رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و آله و سلم في مجانبة الحروب و اعتزالها ، نعوذ باللّه من الخذلان ! و قد علم العقلاء كلهم ممن له بالسير معرفة و بالآثار و الاخبار ممارسة ، حال حروب رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و آله و سلم كيف كانت ، و حاله عليه السلام فيها كيف كان و وقوفه حيث وقف و حربه حيث حارب ، و جلوسه في العريش يوم جلس ، و ان وقوفه صلى اللَّه عليه و آله و سلم وقوف رياسة و تدبير و وقوف ظهر و سند يتعرف امور أصحابه و يحرس صغيرهم و كبيرهم بوقوفه من ورائهم ، و تخلفه عن التقدم في أوائلهم .
و لانهم متى علموا أنه فى اخراهم اطمأنت قلوبهم ، و لم يتعلق بأمره نفوسهم فيشتغلوا بالاهتمام به عن عدوهم ، و لا يكون لهم فئة يلجئون إليها و ظهر يرجعون إليه ، و يعلمون أنه متى كان خلفهم تفقد امورهم و علم مواقفهم و آوى كل إنسان مكانه في الحماية و النكاية و عند المنازلة في الكر و الحملة ، فكان وقوفه حيث وقف أصلح لامرهم ، و أحمى و أحرس لبيضتهم ، و لانه المطلوب من بينهم ، إذ هو مدبر أمرهم و والي جماعتهم ، أ لا ترون أن موقف صاحب اللواء موقف شريف ، و أن صلاح الحرب في وقوفه ، و أن فضيلته في ترك التقدم في أكثر حالاته ، فللرئيس حالات :
فحالة يتخلف و يقف آخرا ليكون سندا و قوة و ردءا و عدة ، و ليتولى تدبير الحرب ، و يعرف مواضع الخلل .
و حالة يتقدم فيها في وسط الصف ليقوي الضعيف ، و يشجع الناكص [ 1 ] .
هامش
[ 1 ] الناكص : الخائف الذى أراد ان يرجع