وهو شيء لا كالأشياء . . . .
شرح
وبالجملة فأهل السّنّة كلهم من أهل المذاهب الأربعة وغيرهم من السلف والخلف متفقون على أن القرآن غير مخلوق ، ولكن بعد ذلك تنازع المتأخرون في أن كلام اللّه هل هو معنى واحد قائم بالذات ، أو أنه حروف وأصوات تكلم اللّه « 1 » بعد أن لم يكن متكلما ، أو أنه لم يزل متكلما إذا شاء ومتى شاء وكيف شاء ، وأن نوع الكلام « 2 » قديم وهو مختار الإمام الطحاوي ، والنزاع بين أهل القبلة إنما هو في كونه مخلوقا خلقه اللّه أو هو كلامه الذي تكلم به وقام بذاته ( وهو شيء لا كالأشياء ) هذا فذلكة الكلام ومجملة المرام ، فإنه سبحانه شيء أي موجود بذاته وصفاته إلا أنه ليس كالأشياء المخلوقة ذاتا وصفة كما يشير إليه قوله سبحانه :لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ« 3 » . سواء يقال الكاف زائدة للتأكيد والمبالغة كقول العرب مثلك لا يبخل وهم يريدون نفيه عن نفسه ، وأنهم إذا نفوه عن مثله فقد نفوه عنه بأبلغ وجه منه فالكناية أبلغ في باب الرعاية والتلويح أولى من التصريح ، أو يقال : الكاف ثابتة والمراد بمثله ذاته أو صفاته .
والحاصل كما قاله العارف الكامل ما خطر ببالك فاللّه سوى ذلك ، وقد قال اللّه تعالى :وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً« 4 » . والعجز عن درك الإدراك إدراك ، وقد صح عنه عليه الصلاة والسلام قوله : « لا أحصي ثناء عليك أنت ، كما أثنيت على نفسك » « 5 » ، ويعلم من قوله شيء لا كالأشياء أنه سبحانه ليس في مكان من الأمكنة ولا في الزمان من الأزمنة ، لأن المكان والزمان من جملة المخلوقات وهو سبحانه كان موجودا في الأزل ولم يكن معه شيء من الموجودات ، ثم اعلم أن الشيء في أصله مصدر قد يستعمل بمعنى المفعول كما في قوله تعالى :وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ« 6 » . وبهذا المعنى لا يجوز
هامش
( 1 ) زاد في شرح الطحاوية : تكلم اللّه بها .
( 2 ) من قوله : وأيضا فالرسول في إحدى الآيتين إلى هنا مأخوذ من شرح الطحاوية 1 / 184 - 185 بشيء من التصرف .
تنبيه : لا يلتفت إلى تنازع المتأخرين ، وإنما الحق فيما اجتمع عليه سلف الأمة وهو ما أشار إليه الشارح بقوله : « لم يزل متكلّما إذا شاء » فاستمسك بغرز هذا القول واستقم عليه واحذر مما أحدثه المتأخّرون .
( 3 ) الشورى : 11 .
( 4 ) طه : 110 .
( 5 ) هو بعض حديث صحيح أخرجه مسلم وقد تقدّم تخريجه .
( 6 ) البقرة : 284 .