- عليه السّلام - حين نادى من في أصلاب الرجال وأرحام النساء : « هلمّوا إلى الحجّ » « 1 » فأجابوا بالسمع والطاعة ، لأنّ علوّ صوت هذا القسم من النداء ووصوله إلى صماخ أرباب البطون : إمّا باعتبار المصوّت فرسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله - أشرف المرسلين وسيّد الأوّلين والآخرين ؛ وإمّا باعتبار السامعين فليست الأمّة المرحومة بأدون من سائر الأمم مع انّهم من جملة المحبين لنداء إبراهيم - عليه السّلام - ؛ وإمّا باعتبار المدعوّ إليه ، فالكعبة بيت اللّه الظاهري الصوري وأمير المؤمنين بيت اللّه الحقيقي لقوله عزّ شأنه : « لا يسعني أرضي ولا سمائي بل يسعني قلب عبدي المؤمن » وهو - عليه السّلام - رأس المؤمنين وأميرهم ، وبالجملة ، سمعوا حين نادى الرسول - صلّى اللّه عليه وآله - بلسان يتكلّم عن اللّه :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ
« 2 » فعلموا بقلوبهم الصافية بمصقل التأدّب بالآداب الإلهية وعرفوا بقلوبهم المرتاضة بالرياضات الشرعية انّ الألفاظ هي عنوانات المعاني وقوالب لتلك المباني ، فالأمر النازل من سماء القدس إلى أرض الحسّ له حقائق متنوّعة مترتّبة حيث يبتدئ من عند اللّه إلى أن ينتهي إلى ما عندنا ، فلذلك صار للقرآن سبعة بطون فحقيقته الصرفة هي ما عند اللّه والتي عندنا هي قشر الألباب ، وما يذّكّر ذلك إلّا أولو الألباب ؛ وللكلّ درجة في عالم الشهادة ، ونصيب من الإرادة ، فعلى هذا فليس بيوت النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله - مقصورة على البيوت التي فيها أزواجه - عليه وآله السّلام - بل بيوتات الأنبياء هي كلّ موضع أقامهم اللّه وأسكنهم فيه ، أمّا في الظاهر فكالحجرات والمنابر والمحاريب ، وأمّا في البواطن فكالرئاسة العامّة والخلافة
هامش
( 1 ) . علل الشرائع ، ج 2 ، باب 158 ، حديث 1 ص 419 . وفيه : « عن أبي عبد اللّه ( ع ) قال :
لمّا أمر اللّه عزّ وجلّ إبراهيم وإسماعيل ( ع ) ببنيان البيت وتمّ بناؤه أمره أن يصعد ركنا ، ثمّ ينادي في الناس : ألا هلمّ الحج ! فلو نادى : « هلمّوا إلى الحجّ » لم يحجّ إلّا من كان يومئذ إنسيّا مخلوقا ولكنّه نادى : « هلمّ الحجّ فلبّى الناس في أصلاب الرجال . . . » .
( 2 ) . الأحزاب : 53 .