والفرقة الثانية ، هم الذين اتّبعوا اللّه ورسوله والنور الذي انزل معه ، واقتفوا آثار الرسول ، واهتدوا بهداه في الفروع والأصول ، ولم يضعوا قدما في مقام لم يروا فيه موضع قدمه ، ولم يخوضوا في شيء لم يكن منه أثر في آثاره ، ولم يتصرّفوا في دين اللّه بآرائهم ، ولم يتجاوزوا عمّا نصّ اللّه ورسوله بأهوائهم ، ولم يؤوّلوا ما سمعوا من الأحكام والآثار باستحسان عقولهم ، ولم يستخرجوا فروع أحكام اللّه بأصولهم بل سكتوا عمّا سكت اللّه ورسوله عنه ، ولم يحوموا حول الحمى حتّى يوشك أن يقعوا فيه ، فعندهم أمر بيّن رشده فاتّبعوه ، وأمر بيّن غيّه فاجتنبوه ، وأمر مشكل فردّوا إلى اللّه وإلى رسوله علمه ووكلوه ، ولم يطابقوا الشرع أقوالهم وأفعالهم بل طابقوها على الشرع في جميع أحوالهم ، وهذا هو شأن الكمّل من الصحابة الذين هم نجوم سماء الرسالة الختمية ، وعظماء قبائل البطون الإنسانية ومرتبة التابعين لهم بإحسان إلى آخر الزمان ، فانّهم سمعوا الرسول بالمشافهة أو العنعنة « 1 » انّه - صلّى اللّه عليه وآله - قد نصّ على الذي سبق جميع الأمّة بالإسلام ، واختصّ بنور الرسول بالاتّحاد « 2 » التام ، انّ له الخلافة الكبرى والوصاية العظمى ، كما تواترت بذلك أخبار الخاصّة والعامة تواترا بالمعنى ، ولعمري انّ المنكر لذلك خارج عن الفطرة الإنسانية ، وداخل في حدود البهيمية السافلة ، والمأوّل لتلك الأخبار معزول عن منصب الخطاب ، وانّه لبمعزل عن طرق الصواب ، فانّه لا ريب لأحد انّ اللّه تعالى يقول في صفة رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله - في محكمات كتابه الذي
لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ
« 3 » انّه :
ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى
« 4 » فقد بيّن اللّه سبحانه لنا انّه - صلّى اللّه عليه وآله - ما تكلّم بشيء من عند نفسه وما رمى مرمى إلّا كان الرامي هو اللّه من
هامش
( 1 ) . أو العنعنة ؛ والعينيّة د .
( 2 ) . بالاتّحاد : بالايجاد د .
( 3 ) . اقتباس من فصّلت : 42 .
( 4 ) . النجم : 3 .