لم يبق ريب في انّ العلوم الحقّة والمعارف الإلهية ليست إلّا من عند اللّه ، لأنّ الكل فائض من لدنه تعالى ، وليس العلم إلّا ما نزل من السماء ؛ وممّا شهدت العقول بصحته انّه لا ينال ما عند أحد إلّا بتسلّط عليه واستيلاء أو برضا منه وارتضاء ، ولا ريب أن لا سلطان لأحد على اللّه تعالى حتّى يمكن أن يؤخذ منه بالقهر شيئا وذلك ظاهر لا يخفى ، وكذا لا يحصل اليقين برضاه إلّا بالأخذ من الطريق الذي شرعه اللّه ، فظهر أن لا وصول لأحد إلى جوار اللّه ورضوانه واستفادة الحقائق والمعارف من فضله وإحسانه إلّا من الباب الذي نصبه اللّه على مدينة علمه والمفتاح الذي وضعه على خزائن فضله ، وليس في طريق الرأي والهوى وصول إلى اللّه ، ولا في سلوك سبيل الظنّ والقياس معرفة حقائق الأشياء ، سيّما وقد ذمّ اللّه في غير موضع من كتابه القول بالظنّ والهوى والعمل بالآراء والأهواء
وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقى
« 1 » .
مفتاح [ في افتراق الامّة بعد الرّسول ( ص ) إلى فرقتين ]
فقد تحقّقت انّ الأمّة افترقوا بعد سيّد المرسلين - صلوات اللّه عليه وآله - الأطيبين في أول الأمر فرقتين هما أصلان للفرق الثلاث والسبعين :
إحداهما ، الذين تركوا اتّباع المصطفى وأخذوا في إعمال الرأي والهوى
إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ
« 2 » ، و
إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً
« 3 » ولا ريب لذي بصيرة سالمة عن التعامي والعمى ، انّ ذلك ينتهي إلى الهلاك والردى ، كما نطق به الخبر عن أئمّتنا - صلوات اللّه عليهم - انّه ارتدّ الناس بعد رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله - إلّا سبعة ، وفي رواية : إلّا ثلاثة ؛
هامش
( 1 ) . القصص : 60 .
( 2 ) . الأنعام : 116 .
( 3 ) . النجم : 28 .