تنبيهات عرفانيّة
ونقول بلسان أهل العرفان لمن يعدّ من الإنسان : كيف يدّعي عاقل معرفة الحق وسلطانه بمحض العقل وبرهانه ولم يعرف ان لكلّ ملك إلى رعاياه وعبيده حجّاب وسفراء ولا ينبغي سوى هذا ، سيّما في ملك الملوك الذي لا يمكن أن يشاهد بالبصر ولا أن يعلم إلّا بالخبر ، لا الخبر الذي من عندنا ، بل الخبر الذي من عنده ، وهو أيضا بالإقرار لا بالإحاطة ، وذلك لأنّ العقل لا خبر عنده عن اللّه تعالى ، إذ لا حكم له عليه أصلا ، لأنّ منتهى إدراكات العقل للأشياء هو إثبات المحمولات الذاتية لموضوعاتها وليس للمبدإ الأوّل محمول مطلقا على ما يثبت بالبراهين التي ليس هاهنا موضع ذكرها ، وإن كنّا قد أومأنا على شطر منها في بعض ما سطرنا سابقا ، فلا بدّ أن يكون الإخبار عنه بإخبار من عنده ، وذلك لمن اختاره اللّه للإخبار ، ويكون طور ذلك المصطفى المختار فوق هذه الأطوار وما عند اللّه خير للأبرار .
ثمّ نقول على مذاق أرباب العيان : كيف يدّعي سالك معرفة اللّه بالرياضة والاجتهاد وأمثال ذلك من طرق أهل العناد ولم يعرف انّ معرفة اللّه « 1 » بذاته خارجة عن طوق البشر ولا خبر عنه ولا أثر بل « الملأ الأعلى يطلبونه كما تطلبونه أنتم » « 2 » وليس الأمر يا معشر أهل السلوك كما ظننتم ، بل معرفته معرفة آثاره ، لأنّها مظاهر أنواره ، فهلّا يعرف هذا المدّعي انّ الثواني مظاهر أنوار المبادي وإنّ كلّ ما في سلسلة الأنوار فممّا يجب ظهوره في تلك الأدوار وهذه الأكوار وانّ الأنوار : منها رؤساء ، ومنها خوادم وأعوان ، ولا ريب انّ الرؤساء وسائط الأنوار وسفراء الملك الغفّار إلى الخدّام والأعوان ، فيجب في مظاهرها من تلك الرئاسة والسفارة طبق القذّة بالقذّة ، كما يجب في الأعوان والرعايا الإجابة والطاعة ، وذلك من سنّة اللّه التي
هامش
( 1 ) . معرفة اللّه : معرفته د .
( 2 ) . قسم من حديث « ان اللّه احتجب عن العقول . . . » لم أعثر عليه في الجوامع الروائي رغم تتبعي الكثير . ينقله الغزالي في الإحياء وابن عربي كثيرا ( الفتوحات ، ج 1 ، 95 ) .