تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح توحيد الصدوق — صفحة 733

مساهمون:

ص٧٣٣
البراهين المنتهية إلى البديهي أو بالمجاهدات الشاقة البدنية والرياضيات النفسانية والرهبانية المبتدعة ، أو بالجمع بينهما والعمل بكليهما ، فالأوّل طريقة الفلاسفة المشائية ، والثاني سبيل البراهمة ، والثالث منهج أهل الإشراق ومسلك أصحاب الرواق ومذاق أرباب الأذواق . وتلك الأصناف الثلاثة هم أرباب الأهواء وأصحاب الآراء . والكل يشرك في أن ليس لهم إلى القرب إلى حرم الكبرياء سبيل ، ولا إلى الولوج في ملكوت السماء من دليل ، فضلا عن الدخول في حرم الكبرياء ومرافقة الملأ الأعلى ، لأنّه ممّا شهدت به العقول معتضدة بنصّ كل رسول : انّ العالم ملك اللّه ، وانّ التصرف في ملك الغير لا يجوز بدون رضاه ، فمن أين يسوغ لأحد أن يتصرّف في عقله وسائر قواه وارتياض بدنه ونفسه من لدن هواه . وهذه كلّها ملك اللّه فلا يجوز إعمالها من غير رضاه . ولا ريب في انّه لا يمكن العلم بذلك إلّا بخبر يقينيّ أو شهود عينيّ ، وذلك خلاف الفرض مع انّه يثبت الغرض . وأيضا هؤلاء الملوك والسلاطين بل من دونهم من الأمراء والمترفين « 1 » لا يمكن الوصول إلى أبوابهم إلّا بوسط أو وسائط من خواصّهم ، فكيف الظنّ بجبّار الجبابرة ومالك الملوك ! وأين يوصل إليه بالعقل والسلوك ! ونعم ما قال الشيخ رئيس مشائية الاسلام « 2 » : « جلّ جناب الحقّ عن أن يكون شريعة لكلّ وارد أو يطّلع عليه إلّا واحد بعد واحد » وما قال بعضهم :
كيف الوصول إلى سعاد ودونها * قلل الجبال ودونهن حتوف
وكما انّ السماء الدنيا مزيّنة بزينة الكواكب رجوما للشياطين وسهاما ونيازك « 3 » لجنود أبالسة الجنّ أجمعين ، كذلك السماوات العلى العقلية مشحونة بشهب الشبهات الباقية يحفظونها من اختطاف النفوس الشيطانية الإنسية واستماع العقول الظلمانية السوفسطانية .
هامش
( 1 ) . المترفين : المقرّبين د . ( 2 ) . الإشارات والتنبيهات ، آخر النمط التاسع . ( 3 ) . نيازك جمع نيزك : الرمح القصير .