الثلاثة : فالأوّل ، العالم العقلي الأعلى وهو النور المحض والقدس الخالص لا يقرع سمع قاطني صوامع هذا العالم حنين « 1 » استعداد المواد ولا جنين بكاء الأصحاب والأولاد ، وعند هذا العالم تلاشى جميع السوافل والعوالي واضمحلت الثواني والتوالي ، وعلى محاذاة العالم العقلي عالم ظلماني يسمّى العالم الأدنى السفلي وهو الظلمة الصرفة والغسق البحت ، وما بين العالمين عالم وسطاني وبرزخ نوراني ، وفي العالم العلوي سلطان العقل ، وفي العالم الوسطى سلطان النفس ، وفي العالم السفلي سلطان الطبع ، لكن العالم الأوسط صاحب حضرتين كريمتين : إحداهما حضرة النفس الكلية الإلهيّة فانّها لا تخلو من شوب مادّة نورية ما دامت نفسا ، والحضرة الثانية هي المادّة الكلية النورية العرشية التي فيهما مثال كلّ شيء كما رأى النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله - في معراجه وبالجملة ، فالعالم العقلي بمنزلة المصباح المشتعل بنفسه ، والعالم النفسي النوري كالزجاجة ، لأنّ النفس مع شدّة نوريّتها لقربها من المصباح الذي هو العقل وبعدها عن الشوائب وصقالتها الذاتية المنعكسة فيها أشعّة نور العقل لا يخلو من شوب مادة كما الزجاجة كذلك ، والعالم العرشي النوراني هي المشكاة لكون النور انّما استطار منها إلى الجهات والأقطار ، كما انّ النور انّما ينشعب من العرش ، لأنّ الأبعاد والأقطار انّما يتميّز عند هذا الجسم كما المشكاة كذلك بالنظر إلى نور الزجاجة والمصباح . فالنور المحمّدي الطالع من الأفق المبين انّما يشرق من مشرق الزجاجة العلويّة البيضاء على مشكاة الأنوار الأمثلة العرشية لكافّة الخلائق ، ثمّ منها على الأشخاص الجسمية التي في العالم السفلي .
مصباح
أمّا تمثيل النور الأوّل العقلي ب « المصباح » فلكونه مشرق الأنوار ومطلع الشموس والأقمار ، وأمّا الهيئة المخروطية مع انّ العقليّات كلها دوائر حقيقية ، فلأنّ المأخوذ هاهنا من العقل ليس على صرافة مرتبة بل من حيث إضاءة لما سواه ،
هامش
( 1 ) . الحنين الأولى بالحاء المهملة وهو طائر والثاني بالمعجمة وهو صوت البكاء . منه .