الفصل الثّالث في سرّ التمثيل
« 1 » اعلم ، انّ العالم عالمان : روحاني وجسماني ؛ وإن شئت : حسّيّ وعقليّ ، أو سفليّ وعلوي ، أو عالم الملك والشّهادة ؛ وعالم الغيب والملكوت ، وهذا العالم المرتفع عن الحس والخيال إذا اعتبر جملة بحيث لا يخرج عنه شيء ، ولا يدخل فيه ما هو غريب ، سمّى حظيرة القدس ، وربّما سمّينا الروح البشري الذي هو محلّ لوائح القدس ب « الوادي المقدّس » .
ثمّ هذه الحظيرة : فيها حظائر بعضها أشدّ إمعانا في معاني القدس ، ولكن لفظ « الحظيرة » يقتضي أن يحيط بعض طبقاتها ببعض ، فلا تظنّ انّ ما قلنا طامّات ، بل هي معقولة عند أرباب البصائر .
وبالجملة ، انّ عالم الشهادة مرقاة إلى عالم الملكوت ، وسلوك الصراط المستقيم عبارة عن هذه الترقّي ويعبّر عنه ب « الدين » وب « منازل الهدى » ، ولو لم يكن بينهما نسبة واتصال لم يتصوّر الترقي من أحدهما إلى الآخر ، فجعلت الرحمة الإلهيّة عالم الشهادة على موازاة عالم الملكوت ، فما من شيء في هذا العالم الّا وهو مثال لشيء من ذلك العالم وربما كان شيء واحد مثالا لأشياء من الملكوت ، وربّما كان بالعكس ؛ وانّما يكون مثالا إذا ماثله نوعا من المماثلة ، وطابقه نحوا من المطابقة ، واستقصاء ذلك يطول ؛ فإذا كانت في عالم الملكوت جواهر نورانية يعبر عنها بالملائكة ، ويفيض منها الأنوار على الأرواح البشرية فبالحريّ أن يكون مثالها في عالم الشهادة الشمس والقمر والكواكب ، ومن ذلك ينتهي السالك أوّلا إلى ما درجته درجة الكوكب فتبادر بقوله :
هذا رَبِّي
ثمّ إذا كشف عمّا فوق ذلك أعرض عن السوافل والعوالي فقال :
إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ
هامش
( 1 ) . مشكاة الأنوار ، ص 65 .