تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح توحيد الصدوق — صفحة 618

مساهمون:

ص٦١٨
على عرش الوحدانية ، وهاهنا وجب السكوت مخافة غيرة الجبروت « 1 » ! فذلكة : معنى كونه سبحانه نور السماوات والأرض انّما يمكن معرفته بالنسبة إلى النور الظاهر البصري ، مثلا إذا رأيت أنوار الربيع وخضرته في ضوء النهار فلست تشكّ في انّك ترى الألوان ، وربما طننت انّك لا ترى مع الألوان غيرها ، فانّك تقول : لست أرى غير الخضرة ؛ ولقد أصرّ قوم على ذلك ، فزعموا انّه ليس شيء غير الألوان ، وأنكروا وجود النور ، لكن لمّا غربت الشمس يعرف ضرورة انّ النور معنى وراء الألوان حتّى كأنّه لشدة اتّحاد الإدراكين لا يدرك ، ولكمال ظهوره يخفى ، وكذلك أرباب البصائر ما رأوا شيئا الّا رأوا اللّه معه ، وربما زاد بعضهم فقال : « ما رأيت شيئا الّا ورأيت اللّه قبله » « 2 » لأنّ منهم من يرى الأشياء فيراه بالأشياء ، ومنهم من يرى به الأشياء وإلى الأوّل أشير بقوله سبحانه :
سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ
وإلى الثاني بقوله عزّ شأنه :
أَ وَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ
« 3 » وليس بعدهما الّا درجة العوام المحجوبين ، لكن بقي هاهنا تفرقة هي انّ النور الظاهر يتصوّر غيبته ، بل تغيّره ، فلا يستدلّ عليه بالتفرقة في الحالين ، ولو غاب لانهدّت السماوات والأرض ، وأدركت التفرقة ، فلمّا تساوت الأشياء [ في الشهادة على وحدانية خالقها ] « 4 » ارتفع التفريق ، وخفى الطريق [ إذا الطريق الظاهر معرفة الأشياء بالأضداد ] « 5 » فما لا ضدّ له ولا تغير فيه ، فلا يبعد أن يخفى ، فسبحان من اختفى لشدّة ظهوره ، واحتجب لإشراق نوره !
هامش
( 1 ) . وهاهنا وجب السكوت . . . الجبروت : وأرى الآن قبض البيان ، فما أراك تطيق هذا القدر ! ( مشكاة ص 62 ) . ( 2 ) . منسوب إلى أمير المؤمنين علي عليه السلام كما مرّ . ( 3 ) . فصّلت : 53 . ( 4 ) . في الشهادة . . . خالقها ( مشكاة ص 63 ) : - جميع النسخ . ( 5 ) . إذ الطريق . . . بالأضداد ( مشكاة ص 64 ) : - جميع النسخ .