تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح توحيد الصدوق — صفحة 615

مساهمون:

ص٦١٥
في ذلك ، بل انّ ذلك الاسم على غير النور الأوّل مجاز محض ، إذ كلّ ما سواه إذا اعتبر بذاته فانّه لا نور له أصلا بل استعار النور من هذا النور المحض الحقيقيّ . أقول : وأنا أسمّي هذا القسم بخاصّ الخاص فالمعاني خمسة . وإذا ظهر انّ النور راجع إلى الظهور والإظهار ، فاعلم انّه لا ظلمة أشد من كتم العدم ، لأنّه لا ظهور له أصلا ، وفي مقابلته الوجود فهو النور . و « الوجود » « 1 » أيضا ينقسم إلى ما له من ذاته ، وإلى ما له من غيره فهو مستعير لأقوام له بنفسه ، بل إذا اعتبر ذاته من حيث هو هو فهو عدم محض ، فالموجود الحقّ هو اللّه تعالى ، كما انّ النور الحق هو سبحانه . ومن هاهنا ترقى العارفون من حضيض المجاز إلى يفاع الحقيقة ، فرأوا بالمشاهدة العيانية أن ليس في الوجود الّا اللّه و
كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ
« 2 » ولم يفتقر هؤلاء إلى قيام القيامة ليسمعوا نداء المنادي :
لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ
« 3 » بل هذا النداء لا يفارق سمعهم ولم يفهموا من معنى اللّه أكبر الّا انّه أكبر من أن يدرك غيره كنهه . أقول : أو أكبر من أن يوصف كما ورد في أخبارنا « 4 » . وبالجملة « 5 » ، إذا وصلوا إلى تلك الحالة ، فمنهم ، من كان لهم فيها عرفان ؛ ومنهم ، من ليس له ذلك بل انتفت عنه الكثرة واستغرق بالفردانية فلا متّسع فيه لذكر غير اللّه ولا لذكر نفسه ، فلم يكن عنده الّا اللّه ، فسكر من مشرب التوحيد ما دفع عنه سلطان العقل ، ومن هذا ما نقل عن أبي يزيد البسطامي وغيره من الكلمات التي لا يوافق العقل ولا الشرع ، ولا بأس بأن يرى الإنسان خمرا في زجاجة صافية ،
هامش
( 1 ) . مشكاة الأنوار ، ص 55 - 56 . ( 2 ) . القصص : 88 . ( 3 ) . غافر : 16 . ( 4 ) . الكافي ، ج 117 ، باب معاني الأسماء ، حديث 8 . ( 5 ) . مشكاة الأنوار ، ص 57 .