المعقولات الثانية التي هي العلوم المكتسبة . ومراتب الناس تختلف في تحصيلها :
فمنهم من لها شوق ما لنفسه إليها ، يبعثها على حركة فكرية شاقة في طلب تلك المعقولات وهو من « أصحاب الفكرة » ، ومنهم من يظفر بها من غير حركة إمّا مع شوق وهو من « أصحاب الحدس » ؛ ويتكثّر مراتب الصنفين ، وصاحب المرتبة الأخيرة ذو قوّة قدسيّة ؛
وأمّا قوّتها المتناسبة للمرتبة الأخيرة فتسمّى عقلا بالفعل ، وهي ما يكون عند الاقتدار على استحضار المعقولات الثانية بالفعل متى شاء بعد الاكتساب بالفكر أو الحدس ، وهذه قوّة للنفس ، وحضور تلك المعقولات كمال لها ، وهو المسمّى بالعقل المستفاد ، لأنّها مستفادة من عقل فعّال في نفوس الناس ، يخرجها من درجة العقل الهيولاني إلى درجة العقل المستفاد ؛ فانّ كل ما يخرج من قوّة إلى فعل فانّما يخرجه غيره . وقياس عقولنا في استفادة المعقولات إلى العقل الفعال ، قياس أبصار الحيوانات في مشاهدة الألوان .
وفي بعض نسخ الكتاب يوجد هكذا : « وإن كانت أقوى من ذلك فتسمّى « عقلا بالملكة » مع الواو العاطفة . وقال الشارح الفاضل « 1 » : الآية الكريمة مطابقة لهذه المراتب ، وقد قيل في الخبر : « من عرف نفسه فقد عرف ربّه » ففسّر الشيخ تلك الإشارات بهذه المراتب ، فكانت « المشكاة » شبيهة بالعقل الهيولاني ، لكونها مظلمة في ذاتها قابلة للنور ، لا على التساوي لاختلاف السطوح والثقب فيها ؛ و « الزجاجة » بالعقل بالملكة ، لأنّها شفّافة في نفسها قالة للنّور أتمّ قبول ؛ و « الشجرة الزيتونيّة » بالفكر لكونها مستعدّة لأن تصير قابلة للنور بذاتها ، لكن بعد حركة كثيرة ؛ و « الزيت » بالحدس لكونها أقرب إلى ذلك من الزيتونة ؛ والذي يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار ، بالقوّة القدسيّة ، لأنّها تكاد تعقل بالفعل ؛ و « نور على نور » بالعقل المستفاد لأنّ الصورة المعقولة نور ، والنفس القابلة لها نور آخر ؛
هامش
( 1 ) . أي الطوسي ، في شرح الإشارات ، ج 2 ، ص 356 - 357 .